Ma oreedu minhum min rizqin wama oreedu an yutAAimooni
تفسير الآية 57
ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، فأنا الرزاق المعطي. فهو سبحانه غير محتاج إلى الخلق، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم والغني عنهم.
«ما أريد منهم من رزق» لي ولأنفسهم وغيرهم «وما أريد أن يطعمون» ولا أنفسهم ولا غيرهم.
فما يريد منهم من رزق وما يريد أن يطمعوه، تعالى الله الغني المغني عن الحاجة إلى أحد بوجه من الوجوه، وإنما جميع الخلق، فقراء إليه، في جميع حوائجهم ومطالبهم، الضرورية وغيرها،
وقوله : ( ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) قال الإمام أحمد :حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود قال : أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين " .ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من حديث إسرائيل ، وقال الترمذي : حسن صحيح .ومعنى الآية : أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له ، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذبه أشد العذاب ، وأخبر أنه غير محتاج إليهم ، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ، فهو خالقهم ورازقهم .قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا عمران - يعني ابن زائدة بن نشيط - عن أبيه ، عن أبي خالد - هو الوالبي - عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قال الله : " يابن آدم ، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك " .ورواه الترمذي وابن ماجه ، من حديث عمران بن زائدة ، وقال الترمذي : حسن غريب .وقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية ، عن الأعمش ، عن سلام أبي شرحبيل ، سمعت حبة وسواء ابني خالد يقولان : أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يعمل عملا أو يبني بناء - وقال أبو معاوية : يصلح شيئا - فأعناه عليه ، فلما فرغ دعا لنا وقال : " لا تيأسا من الرزق ما تهززت رءوسكما ، فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ، ثم يعطيه الله ويرزقه " . و [ قد ورد ] في بعض الكتب الإلهية : " يقول الله تعالى : ابن آدم ، خلقتك لعبادتي فلا تلعب ، وتكفلت برزقك فلا تتعب فاطلبني تجدني ; فإن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء " .
ثم بين- سبحانه- أنه غنى عن العالمين فقال: ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ أى: ما أريد منهم منفعة أو رزقا كما يريد الناس بعضهم من بعض.. وما أريد منهم طعاما ولا شرابا، فأنا الذي أطعم ولا أطعم كما قال- سبحانه-: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا، فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ .قال الآلوسى: والآية لبيان أن شأنه- تعالى- مع عباده ليس كشأن السادة مع عبيدهم، لأنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم وأرزاقهم، ومالك العبيد نفى أن يكون ملكه إياهم لذلك، فكأنه- سبحانه- يقول: ما أريد أن أستعين بهم، كما يستعين ملاك العبيد بعبيدهم، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي.
( ما أريد منهم من رزق ) أي : أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم ( وما أريد أن يطعمون ) أي : أن يطعموا أحدا من خلقي ، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه ، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه . كما جاء في الحديث يقول الله تعالى : " استطعمتك فلم تطعمني " أي : لم تطعم عبدي ، ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال :
ما أريد منهم من رزق " من " صلة أي رزقا ، بل أنا الرزاق والمعطي . وقال ابن عباس وأبو الجوزاء : أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ولا أن يطعموها . وقيل : المعنى ما أريد أن يرزقوا عبادي ولا أن يطعموهم
وقوله ( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ) يقول تعالى ذكره: ما أريد ممن خلقت من الجنّ والإنس من رزق يرزقونه خلقي ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) يقول: وما أريد منهم من قوت أن يقوتوهم, ومن طعام أن يطعموهم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثنا ابن بشار, قال: ثنا معاذ بن هشام, قال: ثنا أبي, عن عمرو بن مالك, عن أبي الجوزاء, عن ابن عباس ( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ) قال: يطعمون أنفسهم.
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57(وجملة { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } تقرير لمعنى { إلا ليعبدون } بإبطال بعض العلل والغايات التي يقصدها الصانعون شيئاً يصنعونه أو يتخذونه ، فإن المعروف في العرف أن من يتخذ شيئاً إنما يتخذه لنفع نفسه ، وليست الجملة لإِفادة الجانب المقصور دُونَه بصيغة القصر لأن صيغة القصر لا تحتاج إلى ذكر الضد . ولا يَحسن ذكر الضد في الكلام البليغ .فقوله : { ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون } كناية عن عدم الاحتياج إليهم لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام واللباس والسكن وإنما تحصل بالرزق وهو المال ، فلذلك ابتدىء به ثم عطف عليه الإِطعام ، أي إعطاء الطعام لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر ، وقد لا يَجده صاحب المال إذا قحط الناس فيحتاج إلى من يسلفه الطعامَ أو يُطعمه إياه ، وفي هذا تعريض بأهل الشرك إذ يُهدون إلى الأصنام الأموال والطعام تتلقاه منهم سدنة الأصنام .والرزق هنا : المال كقوله تعالى : { فابتغوا عند الله الرزق } [ العنكبوت : 17 ] وقوله : { اللَّه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } [ الرعد : 26 ] وقوله : { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه } [ الطلاق : 7 ] ، ويطلق الرزق على الطعام كقوله تعالى : { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً } [ مريم : 62 ] ويمنع من إرادته هنا عطف { وما أريد أن يطعمون } .