لكن الناس اختلفوا على رسلهم، وتفرَّق كثير من أتباعهم في الدين شيعًا وأحزابًا، فعبدوا المخلوقين والأهواء، وكلهم راجعون إلينا ومحاسبون على ما فعلوا.
«وتَقطَّعوا» أي بعض المخاطبين «أمرهم بينهم» أي تفرقوا أمر دينهم متخالفين فيه، وهم طوائف اليهود والنصارى قال تعالى: «كل إلينا راجعون» أي فنجازيه بعمله.
وكان اللائق، الاجتماع على هذا الأمر، وعدم التفرق فيه، ولكن البغي والاعتداء، أبيا إلا الافتراق والتقطع. ولهذا قال: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي: تفرق الأحزاب المنتسبون لاتباع الأنبياء فرقا، وتشتتوا، كل يدعي أن الحق معه، والباطل مع الفريق الآخر و كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ وقد علم أن المصيب منهم، من كان سالكا للدين القويم، والصراط المستقيم، مؤتما بالأنبياء وسيظهر هذا، إذا انكشف الغطاء، وبرح الخفاء، وحشر الله الناس لفصل القضاء، فحينئذ يتبين الصادق من الكاذب، ولهذا قال: كُلٌّ من الفرق المتفرقة وغيرهم إِلَيْنَا رَاجِعُونَ أي: فنجازيهم أتم الجزاء
وقوله : ( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي : اختلفت الأمم على رسلها ، فمن بين مصدق لهم ومكذب; ولهذا قال : ( كل إلينا راجعون ) أي : يوم القيامة ، فيجازى كل بحسب عمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر
والضمير في قوله- تعالى-: وَتَقَطَّعُوا.. يعود للناس الذين تفرقوا في شأن الدين شيعا وأحزابا. أى: وافترق الناس في شأن الدين الحق فرقا متعددة،
( وتقطعوا أمرهم بينهم ) أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا قال الكلبي : [ فرقوا دينهم بينهم ] يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع ( كل إلينا راجعون ) فنجزيهم بأعمالهم
قوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبونقوله تعالى : وتقطعوا أمرهم بينهم أي تفرقوا في الدين ؛ قاله الكلبي . الأخفش : اختلفوا فيه . والمراد المشركون ؛ ذمهم لمخالفة الحق ، واتخاذهم آلهة من دون الله . قال الأزهري : أي تفرقوا في أمرهم ؛ فنصب أمرهم بحذف ( في ) . فالمتقطع على هذا لازم وعلى الأول متعد . والمراد جميع الخلق ؛ أي جعلوا أمرهم في أديانهم قطعا وتقسموه بينهم ، فمن موحد ، ومن يهودي ، ومن نصراني ، ومن عابد ملك أو صنم . كل إلينا راجعون أي إلى حكمنا فنجازيهم .
يقول تعالى ذكره: وتفرّق الناس في دينهم الذي أمرهم الله به ودعاهم إليه ، فصاروا فيه أحزابا ، فَهَودت اليهود ، وتنصَّرت النصارى وعُبدت الأوثان ، ثم أخبر جلّ ثناؤه عما هم إليه صائرون ، وأن مرجع جميع أهل الأديان إليه ، متوعدا بذلك أهل الزيغ منهم والضلال ، ومعلمهم أنه لهم بالمرصاد ، وأنه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) قال أهل التأويل.*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال: قال ابن زيد ، في قوله ( وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ ) قال: تقطَّعوا: اختلفوا ، في الدين.
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)عطف على جملة { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } [ الأنبياء : 92 ] أي أعرضوا عن قولنا . و { تقطّعوا } وضمائر الغيبة عائدة إلى مفهوم من المقام وهم الذين مِن الشأن التحدّثُ عنهم في القرآن المكي بمثل هذه المذام ، وهم المشركون . ومثل هذه الضمائر المرادِ منها المشركون كثير في القرآن . ويجوز أن تكون الضمائر عائدة إلى أمم الرسل . فعلى الوجه الأول الذي قدمناه في ضمائر الخطاب في قوله تعالى : { إن هذه أمتكم أمة واحدة } [ الأنبياء : 92 ] يكون الكلام انتقالاً من الحكاية عن الرسل إلى الحكاية عن حال أممهم في حياتهم أو الذين جاءوا بعدهم مثل اليهود والنصارى إذ نقضوا وصايا أنبيائهم . وعلى الوجه الثاني تكون ضمائر الغيبة التفاتاً .ثم يجوز أن تكون الواو عاطفة قصة على قصة لمناسبة واضحة كما عطف نظيرها بالفاء في سورة المؤمنين . ويجوز كونها للحال ، أي أمَرنا الرسل بملة الإسلام ، وهي الملة الواحدة ، فكان من ضلال المشركين أن تقطعوا أمرهم وخالفوا الرسل وعدلوا عن دين التوحيد وهو شريعة إبراهيم أصلهم . ويؤيد هذا الوجه أن نظير هذه الآية في سورة المؤمنين جاء فيه العطف بفاء التفريع .والتقطع : مطاوع قَطّع ، أي تفرقوا . وأسند التقطع إليهم لأنهم جعلوا أنفسهم فرقاً فعبدوا آلهة متعددة واتخذت كل قبيلة لنفسها إلهاً من الأصنام مع الله ، فشبه فعلهم ذلك بالتقطع .وفي «جمهرة الأنساب» لابن حزم : «كان الحُصين بن عبيد الخُراعي ، وهو والد عمران بن حُصين لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله : " يا حصين ما تعبد؟ قال : عشرة آلهة ، قال : ما هم وأين هم؟ قال : تسعة في الأرض وواحد في السماء . قال : فمَن لحاجتك؟ قال : الذي في السماء ، قال : فمن لِطلْبَتِكَ؟ قال : الذي في السماء ، قال : فمن لكذا؟ فمن لكذا؟ كُلّ ذلك يقول : الذي في السماء ، قال رسول الله : فالغ التسعة " . وفي كتاب الدعوات : من «سنن الترمذي» : أنه قال : " سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء " . والأمر : الحال . والمراد به الدين كما دل عليه قوله تعالى : { إن الذين فرقوا دينهم في } [ سورة الأنعام : 159 ].ولمّا ضُمن { تقطعوا } معنى توزّعوا عُدّي إلى «دينهم» فنصبَه ، والأصل : تقطعوا في دينهم وتوزعوه .وزيادة { بينهم } لإفادة إنهم تعاونوا وتظاهروا على تقطّع أمرهم . فربّ قبيلة اتخذت صنماً لم تكن تعبُدهُ قبيلة أخرى ثم سوّلوا لجيرتهم وأحلافهم أن يعبدوه فألحقوه بآلهتهم . وهكذا حتى كان في الكعبة عدة أصنام وتماثيل لأن الكعبة مقصودة لجميع قبائل العرب . وقد روي أن عَمرو بن لُحيَ الملقب بخزاعة هو الذي نقل الأصنام إلى العرب .وجملة { كل إلينا راجعون } مستأنفة استئنافاً بيانياً لجواب سؤال يجيش في نفس سامع قوله تعالى { وتقطعوا أمرهم } وهو معرفة عاقبة هذا التقطع .وتنوين { كلٌّ } عوض عن المضاف إليه ، أي كلّهم ، أي أصحاب ضمائر الغيبة وهم المشركون . والكلام يفيد تعريضاً بالتهديد .ودلّ على ذلك التفريع في قوله تعالى { فمن يعمل من الصالحات } [ الأنبياء : 94 ] إلى آخره .