سورة الأنفال: الآية 22 - ۞ إن شر الدواب عند...

تفسير الآية 22, سورة الأنفال

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

الترجمة الإنجليزية

Inna sharra alddawabbi AAinda Allahi alssummu albukmu allatheena la yaAAqiloona

تفسير الآية 22

إنَّ شر ما دبَّ على الأرض -مِنْ خَلْق الله- عند الله الصمُّ الذين انسدَّت آذانهم عن سماع الحق فلا يسمعون، البكم الذين خرست ألسنتهم عن النطق به فلا ينطقون، هؤلاء هم الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه.

«إن شرَّ الدواب عند الله الصمٌّ» عن سماع الحق «البكم» عن النطق به «الذين لا يعقلونـ» ـه.

يقول تعالى‏:‏ ‏‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ‏‏ من لم تفد فيهم الآيات والنذر، وهم ‏‏الصُّمُّ‏‏ عن استماع الحق ‏‏الْبُكْمُ‏‏ عن النطق به‏.‏ ‏‏الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ‏‏ ما ينفعهم، ويؤثرونه على ما يضرهم، فهؤلاء شر عند اللّه من جميع الدواب، لأن اللّه أعطاهم أسماعا وأبصارا وأفئدة، ليستعملوها في طاعة اللّه، فاستعملوها في معاصيه وعدموا بذلك الخير الكثير، فإنهم كانوا بصدد أن يكونوا من خيار البرية‏.‏ فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية،والسمع الذي نفاه اللّه عنهم، سمع المعنى المؤثر في القلب، وأما سمع الحجة، فقد قامت حجة اللّه تعالى عليهم بما سمعوه من آياته،وإنما لم يسمعهم السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرا يصلحون به لسماع آياته‏.

ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة ، فقال : ( إن شر الدواب عند الله الصم ) أي : عن سماع الحق ( البكم ) عن فهمه ؛ ولهذا قال : ( الذين لا يعقلون ) فهؤلاء شر البرية ؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله [ عز وجل ] فيما خلقها له ، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا ؛ ولهذا شبههم بالأنعام في قوله : ( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ] ) [ البقرة : 171 ] . وقال في الآية الأخرى : ( أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف : 179 ] .وقيل : المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش . روي عن ابن عباس ومجاهد ، واختاره ابن جرير ، وقال محمد بن إسحاق : هم المنافقون .قلت : ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا ؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح ، والقصد إلى العمل الصالح .

ثم وصف- سبحانه- الكفار والمنافقين وأشباههم وصفا يحمل العقلاء على النفور منهم، فقال- تعالى-: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ...والدواب: جمع دابة وهي كل ما يدب على الأرض. قال- تعالى-: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.. .قال الجمل: «وإطلاق الدابة على الإنسان لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدميا، وفي المصباح: الدابة كل حيوان في الأرض مميزا أو غير مميز» .وقد روى أن هذه الآية نزلت في نفر من بنى عبد الدار، كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، فقتلوا جميعا يوم بدر.وهذا لا يمنع أن الآية الكريمة يشمل حكمها جميع المشركين والمنافقين، إذ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.والمعنى: إن شر ما يدب على الأرض عِنْدَ اللَّهِ أى: في حكمه وقضائه، هم أولئك الصُّمُّ عن سماع الحق الْبُكْمُ عن النطق به الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أى لا يعقلون التمييز بينه وبين الباطل.ووصفهم- سبحانه- بذلك مع أنهم يسمعون وينطقون، لأنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس، بل استعملوها فيما يضر ويؤذى، فكان وجودها فيهم كعدمها.وقدم الصمم على البكم، لأن صممهم عن سماع الحق متقدم على بكمهم فإن السكوت عن النطق بالحق من فروع عدم سماعهم له، كما أن النطق به من فروع سماعه.وقوله الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ تحقيق لكمال سوء حالهم، لأن الأصم الأبكم إذا كان له عقل ربما فهم بعض الأمور.. أما إذا كان بجانب صممه وبكمه فاقد العقل، فإنه في هذه الحالة يكون قد بلغ الغاية في سوء الحال..قال صاحب المنار: وقوله: الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أى: فقدوا فضيلة العقل الذي يميز بين الحق والباطل والخير والشر، إذ لو عقلوا لطلبوا، ولو طلبوا لسمعوا وميزوا، ولو سمعوا لنطقوا وبينوا، وتذكروا وذكروا.. فهم لفقدهم منفعة العقل والسمع والنطق صاروا كالفاقدين لهذه المشاعر والقوى.. بل هم شر من ذلك لأنهم أعطيت لهم المشاعر والقوى فأفسدوها على أنفسهم لعدم استعمالها فيما خلقها الله لأجله، فهم كما قال الشاعر:خلقوا، وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوارزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقواولم يصفهم هنا بالعمى كما وصفهم في آية الأعراف وآيتي البقرة، لأن المقام هنا مقام تعريض بالذين ردوا دعوة الإسلام، ولم يهتدوا بسماع آيات القرآن» .

قوله تعالى : ( إن شر الدواب عند الله ) أي : شر من دب على وجه الأرض من خلق الله ( الصم البكم ) عن الحق فلا يسمعونه ولا يقولونه ، ( الذين لا يعقلون ) أمر الله - عز وجل - ، سماهم دوابا لقلة انتفاعهم بعقولهم ، كما قال تعالى : " أولئك كالأنعام بل هم أضل " ، ( الأعراف - 179 ) قال ابن عباس : هم نفر من بني عبد الدار بن قصي ، كانوا يقولون : نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد ، فقتلوا جميعا بأحد ، وكانوا أصحاب اللواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة .

وفي البخاري عن ابن عباس إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون قال : هم نفر من بني عبد الدار . والأصل أشر ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . وكذا خير ; الأصل أخير .

القول في تأويل قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22)قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنّ شر ما دبَّ على الأرض من خلق الله عند الله، (39) الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، (40) فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكُصون عنه إن نطقوا به, (41) الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه, فيستعملوا بهما أبدانهم.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:15856- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إن شر الدواب عند الله)، قال: " الدواب "، الخلق.15857- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, عن عكرمة قال: وكانوا يقولون: " إنا صم بكم عما يدعو إليه محمد, لا نسمعه منه, ولا نجيبه به بتصديق!" فقتلوا جميعًا بأحد, وكانوا أصحاب اللواء.15858- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الصم البكم الذين لا يعقلون ", قال: الذين لا يتّبعون الحق.15859- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، وليس بالأصم في الدنيا ولا بالأبكم, ولكن صمّ القلوب وبُكمها وعُميها! وقرأ: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [سورة الحج: 46] .* * *واختلف فيمن عني بهذه الآية.فقال بعضهم: عُني بها نفرٌ من المشركين.* ذكر من قال ذلك:15860- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال، قال ابن عباس: " الصم البكم الذين لا يعقلون "، نفرٌ من بني عبد الدار, لا يتبعون الحق.15861 - . . . . قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: (الصم البكم الذين لا يعقلون) ، قال: لا يتبعون الحق= قال، قال ابن عباس: هم نَفرٌ من بني عبد الدار.15861 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, نحوه.* * *وقال آخرون: عُني بها المنافقون.* ذكر من قال ذلك:15862- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: (إن شرّ الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)، [أي المنافقون الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم، بُكمٌ عن الخير، صم عن الحق، لا يعقلون]، لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتِّباعة. (42)* * *قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال بقول ابن عباس: وأنه عُني بهذه الآية مشركو قريش, لأنها في سياق الخبر عنهم.------------------الهوامش :(39) انظر تفسير " دابة " فيما سلف 3 : 275 11 : 344 .(40) انظر تفسير " الصمم " 1 : 328 - 331 3 : 315 10 : 478 11 : 350 .(41) انظر تفسير " البكم " فيما سلف 1 : 328 - 331 3 : 315 11 : 350 .(42) الأثر : 15862 -سيرة ابن هشام 2 : 324 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15853 . والذي بين القوسين سقط من ناسخ المخطوطة بلا شك ، لأن إسقاطه يجعل الخبر غير مطابق للترجمة ، لأنه عندئذ لا ذكر فيه للمنافقين . هذا فضلا عن أن أبا جعفر ينقل تفسير ابن إسحاق في سيرته بنصه في كل ما مضى ، فلا معنى لاختصاره هنا اختصارًا مخلا ، فثبت أن ذلك من الناسخ فزدته من السيرة .أما الجملة التي أثبتها الناسخ ، وهي الخارجة عن القوسين . فكانت في المخطوطة : " ... من النعمة والساعة " ، الأولى خطأ ، وصوابها ما أثبت .فجاء الناشر ، ولم يفهم معنى الكلام ، فجعله هكذا : " ... من النعمة والسعة " ، فصار خلطًا لا خير فيه ، ولا معنى له . ورددته إلى الصواب والحمد لله .و " التباعة " ، ( بكسر التاء ) ، مثل " التبعة " ( بفتح التاء وكسر الباء ) : ما فيه إثم يتبع به صاحبه . يقال : " ما عليه من الله في هذا تبعة ولا تباعة " ، أي : مطالبة يطلب بإثمها .

وجملة : { إن شر الدواب عند الله الصُم البكم الذين لا يعقلون } معترضة ، وسَوقها في هذا الموضع تعريض بالذين { قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } بأنهم يشبهون دواب صماء بكماء .والتعريض قد يكون كناية وليس من أصنافها فإن بينه وبين الكناية عموماً وخصوصاً وجهياً ، لأن التعريض كلام أريد به لازم مدلوله ، وأما الكناية فهي لفظ مفرد يراد به لازم معناه إما الحقيقي كقوله تعالى : { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [ الزمر : 12 ] ، وإما المجازي نحو قولهم للجواد : جبان الكلب إذا لم يكن له كلب ، فأما التعريض فليس إرادة لازم معنى لفظ مفرد ولا لازم معنى تركيب ، وإنما هو إرادة لنطق المتكلم بكلامه ، قال في «الكشاف» عند قوله تعالى : { ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء } في سورة [ البقرة : 235 ] التعريض أن تذكر شيئاً يدل به على شيء لم تذكره يريد أن تذكر كلاماً دالاً كما يقول المحتاج لغيره جئت لأسلم عليك .قلت : ومن أمثلة التعريض قول القائل حين يسمع رجلاً يسب مسلماً أو يضربه : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ، فكذلك قوله تعالى : { إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم } لم يرد به لازم معنى ألفاظ ولا لازم معنى الكلام ، ولكن أريد به لازم النطق به في ذلك المكان بدون مقتض للإخبار من حقيقة ولا مجاز ولا تمثيل .والفرق بين التعريض وبين ضرب المثل : أن ضرب المثل ذكر كلام يدل على تشبيه هيئة مضربه بهيئة مورده ، والتعريض ليس فيه تشبيه هيئة بهيئة . فالتعريض كلام مستعمل في حقيقته أو مجازه ، ويحصل به قصد التعريض من قرينة سوقه فالتعريض من مستتبعات التراكيب .وهذه الآية تعريض بتشبيههم بالدواب ، فإن الدواب ضعيفة الإدراك ، فإذا كانت صماء كانت مثلاً في انتفاء الإدراك ، وإذا كانت مع ذلك بكماً انعدم منها ما انعدم منها ما يعرف به صاحبها ما بها ، فانضم عدم الإفهام إلى عدم الفهم ، فقوله : { الصم البكم } خبرَاننِ عن الدواب بمعناهما الحقيقي ، وقوله : { الذين لا يعقلون } خبر ثالث ، وهذا عدول عن التشبيه إلى التوصيف لأن { الذين } مما يناسب المشبّهين إذ هو اسم موصول بصيغة جمع العقلاء وهذا تخلص إلى أحوال المشبهين كما تخلص طرفة في قوله: ... خذول تُراعي رَبْرباً بخميلةتَنَاول أطراف البرير وترتدي ... وتبسم عن ألْمى كأنّ منوّراًتوسط حرُ الرمل دعص له نَدِي ... و { شر } اسم تفضيل ، وأصله «أشر» فحذفت همزته تخفياً كما حذفت همزة خير كقوله تعالى : { قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبةً عند الله } [ المائدة : 60 ] الآية .والمراد بالدواب معناه الحقيقي ، وظاهر أن الدابة الصمّاء البكماء أخسّ الدواب .{ عند الله } قيد أريد به زيادة تحقيق كونهم ، أشر الدواب بأن ذلك مقرر في علم الله ، وليس مجرد اصطلاح ادعائي ، أي هذه هي الحقيقة في تفاضل الأنواع لا في تسامح العرف والاصطلاح ، فالعُرف يُعد الإنسان أكمل من البهائم ، والحقيقة تفصل حالات الإنسان فالإنسان المنتفع بمواهبه فيما يُبلغه إلى الكمال هو بحق أفضل من العُجم ، والإنسان الذي دَلّى بنفسه إلى حَضيض تعطيل انتفاعه بمواهبه السامية يصير أحط من العجماوات .والمشبهون بالصم البكم هم الذين قالوا { سمعنا وهم لا يسمعون } ، شبهوا بالصم في عدم الانتفاع بما سمعوا لأنه مما يكفي سماعه في قبوله والعمل به وشبهوا بالبكم في انقطاع الحجة والعجز عن رد ما جاءهم به القرآن فهمُ ما قبلوا ولا أظهروا عذراً عن عدم قبوله .ولما وصفهم بانتهاء قبول المعقولات والعجز عن النطق بالحجة أتبعه بانتفاء العقل عنهم أي عقل النظر والتأمل بله عقل التقبل ، وقد وصف بهذه الأوصاف في القرآن كل من المشركين والمنافقين في مواضع كثيرة .ولعل ما روي عن ابن عباس من قوله إن الآية نزلت في نفر من بني عبد الدار كما تقدم آنفاً إنما عنى بهم نزول قوله تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون } لأنهم الذين قالوا مقالة تقرب مما جاء في الآية .
الآية 22 - سورة الأنفال: (۞ إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون...)