سورة الأعراف: الآية 100 - أولم يهد للذين يرثون الأرض...

تفسير الآية 100, سورة الأعراف

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

الترجمة الإنجليزية

Awalam yahdi lillatheena yarithoona alarda min baAAdi ahliha an law nashao asabnahum bithunoobihim wanatbaAAu AAala quloobihim fahum la yasmaAAoona

تفسير الآية 100

أوَلم يتبين للذين سكنوا الأرض من بعد إهلاك أهلها السابقين بسبب معاصيهم، فساروا سيرتهم، أن لو نشاء أصبناهم بسبب ذنوبهم كما فعلنا بأسلافهم، ونختم على قلوبهم، فلا يدخلها الحق، ولا يسمعون موعظة ولا تذكيرًا؟

«أو لم يهد» يتبيَّن «للذين يرثون الأرض» بالسكنى «من بعد» هلاك «أهلها أن» فاعل مخففة واسمها محذوف أي أنه «لو نشاء أصبناهم» بالعذاب «بذنوبهم» كما أصبنا من قبلهم. والهمزةُ في المواضع الأربعة للتوبيخ والفاء والواو الداخلة عليهما للعطف، وفي قراءة بسكون الواو في الموضع الأول عطفا بأو «و» نحن «نطبع» نختم «على قلوبهم فهم لا يسمعون» الموعظة سماع تدبر.

يقول تعالى منبها للأمم الغابرين بعد هلاك الأمم الغابرين أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ْ أي: أو لم يتبين ويتضح للأمم الذين ورثوا الأرض، بعد إهلاك من قبلهم بذنوبهم، ثم عملوا كأعمال أولئك المهلكين؟. أو لم يهتدوا أن اللّه، لو شاء لأصابهم بذنوبهم، فإن هذه سنته في الأولين والآخرين. وقوله: وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ْ أي: إذا نبههم اللّه فلم ينتبهوا، وذكرهم فلم يتذكروا، وهداهم بالآيات والعبر فلم يهتدوا، فإن اللّه تعالى يعاقبهم ويطبع على قلوبهم، فيعلوها الران والدنس، حتى يختم عليها، فلا يدخلها حق، ولا يصل إليها خير، ولا يسمعون ما ينفعهم، وإنما يسمعون ما به تقوم الحجة عليهم.

قال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في قوله : ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) أو لم نبين ، [ وكذا قال مجاهد والسدي ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أو لم نبين ] لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم .وقال أبو جعفر بن جرير في تفسيرها : يقول تعالى : أولم نبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها ، فساروا سيرتهم ، وعملوا أعمالهم ، وعتوا على ربهم : ( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) يقول : أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ، ( ونطبع على قلوبهم ) يقول : ونختم على قلوبهم ( فهم لا يسمعون ) موعظة ولا تذكيرا .قلت : وهكذا قال تعالى : ( أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) [ طه : 128 ] وقال تعالى : ( أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون ) [ السجدة : 29 ] وقال ( أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال ) [ إبراهيم : 44 ، 45 ] وقال تعالى : ( وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ) [ مريم : 98 ] أي : هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا ؟ وقال تعالى : ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) [ الأنعام : 6 ] وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد : ( فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون ) [ الأحقاف : 25 - 27 ] وقال تعالى : ( وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) [ سبأ : 45 ] وقال تعالى : ( ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ) [ الملك : 18 ] وقال تعالى : ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الحج : 45 ، 46 ] وقال تعالى : ( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون ) [ الأنعام : 10 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه ، وحصول نعمه لأوليائه ; ولهذا عقب ذلك بقوله ، وهو أصدق القائلين ورب العالمين :

ثم بين- سبحانه- أن من الواجب على الأحياء الذين يرثون الأرض من أهلها الذاهبين المهلكين، الذين أهلكتهم ذنوبهم، وجنت عليهم غفلتهم، وعوقبوا على استهتارهم وغرورهم من الواجب على هؤلاء الأحياء أن يعتبروا ويتعظوا ويحسنوا القول والعمل حتى ينجوا من العقوبات.قال- تعالى-: أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.الاستفهام للإنكار والتوبيخ. ويهد: أى يتبين، يقال: هداه السبيل أو الشيء وهداه إليه، إذا دله عليه وبينه له.أى: أو لم يتبين لهؤلاء الذين يعيشون على تلك الأرض التي ورثوها بعد أهلها المهلكين، أننا في قدرتنا أن ننزل بهم العذاب بسبب ذنوبهم كما أنزلناه بأولئك المهلكين.والمراد بالذين يرثون الأرض من بعد أهلها، أهل مكة ومن حولها الذين أرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم لهدايتهم. وقيل المراد بهم الأحياء في كل زمان ومكان الذين يخلفون من سبقهم من الأمم.قال الجمل: وفاعل يَهْدِ فيه وجوه أظهرها: أنه المصدر المؤول من أن وما في حيزها والمفعول محذوف. والتقدير: أو لم يهد أى يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك» .وقوله: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ جملة مستأنفة لإثبات حصول الطبع على قلوبهم.أى: ونحن نطبع على قلوبهم ونختم عليها، بسبب اختيارهم الكفر على الإيمان، فهم لذلك لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ.والذي يتأمل في الآيات السابقة يراها تحذر الناس بأساليب متنوعة حكيمة من الغفلة عن العظات والعبر، وتحضهم على التخلص من الأمن الكاذب، والشهوات المردية. والمتع الزائلة.وما يريد القرآن بهذا أن يعيش الناس قلقين، يرتجفون من الهلاك والدمار أن يأخذهم في لحظة من ليل أو نهار.كلا، ما يريد منهم ذلك لأن القلق الدائم من المستقبل، يشل طاقة البشر، وقد ينتهى بهم إلى اليأس من العمل والإنتاج وتنمية الحياة.وإنما الذي يريده القرآن منهم أن يتعظوا بآيات الله في كونه، وأن يكونوا دائما على صلة طيبة به، وأن يبتغوا فيما آتاهم الله من فضله الدار الآخرة دون أن ينسوا نصيبهم من الدنيا، وألا يغتروا بطراوة العيش، ورخاء الحياة، وقوة الجاه، كي لا يقودهم ذلك إلى الفساد والطغيان، والاستهتار والانحلال.وإذا كان القرآن في هذه الآية قد حذر وأنذر، فلأنه يعالج كل أمة وجماعة بالطب الذي يناسبها ويلائمها، فهو يعطيها جرعات من الأمن والثقة والطمأنينة حين يرسخ الإيمان في قلوب أبنائها، وحين يراقبون خالقهم في سرهم وعلنهم، ويشكرونه على نعمه، وهو يعطيها جرعات من التحذير والتخويف، حين تستولى الشهوات على النفوس، وحين تصبح الدنيا بمتعها ولذائذها المطلب الأكبر عند الناس.

( أولم يهد ) قرأ قتادة ويعقوب : " نهد " بالنون على التعظيم ، والباقون بالياء على التفريد يعني أولم نبين ، ( للذين يرثون الأرض من بعد ) هلاك ( أهلها ) الذين كانوا فيها قبلهم ( أن لو نشاء أصبناهم ) أي : أخذناهم وعاقبناهم ، ( بذنوبهم ) كما عاقبنا من قبلهم ، ( ونطبع ) نختم ( على قلوبهم فهم لا يسمعون ) الإيمان ولا يقبلون الموعظة ، قال الزجاج : قوله ( ونطبع على ) منقطع عما قبله لأن قوله ( أصبناهم ) ماض و " نطبع " مستقبل .

قوله تعالى أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعونقوله تعالى أولم يهد أي يبين . للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يريد كفار مكة ومن حولهم .أن لو نشاء أصبناهم أي أخذناهم بذنوبهم أي بكفرهم وتكذيبهم .ونطبع أي ونحن نطبع ; فهو مستأنف . وقيل : هو معطوف على " أصبنا " أي نصيبهم ونطبع ، فوقع الماضي موقع المستقبل .

القول في تأويل قوله : أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)قال أبو جعفر : يقول: أوَلم يَبن للّذين يُسْتخلفون في الأرض بعد هلاك آخرين قبلهم كانُوا أهلها، (4) فساروا سيرتهم ، وعملوا أعمالهم، وعتوا عن أمر ربهم=( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) ، يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، فأخذناهم بذنوبهم ، وعجّلنا لهم بأسَنا كما عجلناه لمن كان قبلهم ممن ورثوا عنه الأرض ، فأهلكناهم بذنوبهم=( ونطبع على قلوبهم ) ، (5) يقول: ونختم على قلوبهم = فهم ( لا يسمعون ) ، موعظةً ولا تذكيرًا ، سماعَ منتفع بهما.* * *وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك.14887-حدثنا محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( أولم يهد ) ، قال: يبيَّن.14888-حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.14889-... قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ( أولم يهد ) ، أولم يُبَيَّنْ.14890-حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، يقول: أو لم يتبين لهم.14891-حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، يقول: أولم يتبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها= هم المشركون.14892- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ) ، أولم نُبَيِّنْ لهم=( أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ) ، قال: و " الهدى " ، البيان الذي بُعث هاديًا لهم ، مبيِّنًا لهم حتى يعرفوا. لولا البيان لم يعرفُوا.-------------------الهوامش :(4) انظر تفسير"هدى" فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).(5) انظر تفسير"الطبع" فيما سلف 1: 258- 261/ 9: 364.

عطفت على جملة : { أفأمن أهل القرى } [ الأعراف : 97 ] لاشتراك مضمون الجملتين في الاستفهام التعجيبي ، فانتقُل عن التعجيب من حال الذين مضوا إلى التعجيب من حال الأمة الحاضرة ، وهي الأمة العربية الذين ورثوا ديار الأمم الماضية فسكنوها : مثل أهل نَجْران ، وأهل اليمن ، ومن سكنوا ديار ثمود مثل بَليِّ ، وكعب ، والضجاغم ، وبهراء ، ومن سكنوا ديار مَدْين مثل جُهَيْنة ، وجَرْم ، وكذلك من صاروا قبائل عظيمة فنالوا السيادة على القبائل : مثل قُريش ، وطَي ، وتَميم ، وهُذَيْل . فالموصول بمنزلة لام التعريف العهدي ، وقد يقصد بالذين يرثون الأرض كل أمة خلفت أمة قبلها ، فيشمل عاداً وثموداً ، فقد قال لكلَ نبيّهم { واذكروا إذ جلعكم خلفاء } [ الأعراف : 74 ] الخ ولكن المشركين من العرب يومئذٍ مقصودون في هذا ابتداء . فالموصول بمنزلة لام الجنس .والاستفهام في قوله : { أو لم يهد } مستعمل في التعجيب . مثل الذي في قوله : { أفأمن أهلُ القرى } [ الأعراف : 97 ] تعجيباً من شدة ضلالتهم إذ عدموا الاهتداء والاتعاظ بحال من قبلهم من الأمم ، ونسوا أن الله قادر على استئصالهم إذا شاءه .والتعريف في الأرض تعريف الجنس ، أي يرثون أي أرض كانت منازل لقوم قبلهم ، وهذا إطلاق شائع في كلام العرب ، يقولون هذه أرض طَيء ، وفي حديث الجنازة «من أهل الأرض» أي من السكان القاطنين بأرضهم لا من المسلمين الفاتحين فالأرض بهذا المعنى اسم جنس صادق على شائع متعدد ، فتعريفه تعريف الجنس ، وبهذا الإطلاق جُمعت على أرضين ، فالمعنى : أو لم يهد للذين يرثون أرضاً من بعد أهلها .والإرث : مصير مال الميت إلى من هو أولى به ، ويطلق مجازاً على مماثلة الحي مَيتاً في صفات كانت له ، من عزّأ وسيادة ، كما فسر به قوله تعالى حكاية عن زكرياء { فهب لي من لدنك ولياً يرثني } [ مريم : 5 ، 6 ] أي يخلفني في النبوءة ، وقد يطلق على القَدْر المشترك بين المعنيين ، وهو مطلقُ خلافةِ المُنْقَرَضضِ . وهو هنا محتمل للإطلاقين ، لأنه إن أريد بالكلام أهل مكة فالإرث بمعناه المجازي ، وإن أريد أهل مكة والقبائل التي سكنت بلاد الأمم الماضية فهو مستعمل في القدر المشترك ، وهو كقوله تعالى : { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [ الأنبياء : 105 ] وأيّاً ما كان فقيْدُ { من بعد أهلها } تأكيدٌ لمعنى { يرثون } ، يراد منه تذكير السامعين بما كان فيه أهل الأرض الموروثة من بحبوحة العيش ، ثم ما صاروا إليه من الهلاك الشامل العاجل ، تصويراً للموعظة بأعظم صورة فهو كقوله تعالى : { ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } [ الأعراف : 129 ].ومعنى { لم يهد } لم يرشد ويُبَيْن لهم ، فالهداية أصلها تبيين الطريق للسائر ، واشتهر استعمالهم في مطلق الإرشاد : مجازاً أو استعارة كقوله تعالى : { اهْدنا الصراط المستقيم } [ الفاتحة : 6 ]. وتقدم أن فعلها يتعدى إلى مفعولين ، وأنه يتعدى إلى الأول منهما بنفسه وإلى الثاني تارة بنفسه وأخرى بالحرف : اللام أو ( إلى ) ، فلذلك كانت تعديته إلى المفعول الأول باللام في هذه الآية إمّا لتضمينه معنى يُبين ، وإما لتقوية تعلق معنى الفعل بالمفعول كما في قولهم : شكرتُ له ، وقوله تعالى :{ فَهَبْ لي من لدنك ولياً } [ مريم : 5 ] ، ومثل قوله تعالى : { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } في سورة طه ( 128 ).و { أنْ } مخففة من ( أنّ ) واسمها ضمير الشأن ، وجملة { لو نشاء } خبرها . ولما كانت ( أن ) المفتوحة الهمزة من الحروف التي تفيد المصدرية على التحقيق لأنها مركّبة من ( إنّ ) المكسورة المشددة ، ومن ( أنّ ) المفتوحة المخففة المصدرية لذلك عُدّت في الموصولات الحرفية وكان ما بعدها مؤولاً بمصدر منسبك من لفظ خبرها إن كان مفرداً مشتقاً ، أو من الكَون إن كان خبرها جملة ، فموقع { أن لو نشاء أصبناهم } موقعُ فاعل { يهد } ، والمعنى : أو لم يبيّنْ للذين يخلْفون في الأرض بعد أهلها كونُ الشأن المهم وهو لو نشاءُ أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم .وهؤلاء هم الذين أشركوا بالله وكذبوا محمداً صلى الله عليه وسلموالإصابة : نوال الشيء المطلوب بتمكّن فيه . فالمعنى : أن نأخذهم أخذاً لا يفلتون منه . والباء في { بذنوبهم } للسببية ، وليست لتعدية فعل { أصبناهم }.وجملة : { أنْ لو نشاء أصبناهم بذنوبهم } واقعة موقع مفرد ، هو فاعل { يَهْدِ } ، ف ( إنْ ) مخففة من الثقيلة وهي من حروف التأكيد والمصدرية واسمها في حالةِ التخفيف ، ضمير شأن مقدر ، وجملة شرط ( لو ) وجوابه خبر ( أنّ ).و ( لو ) حرف شرط يفيد تعليق امتناع حصول جوابه لأجل امتناع حصول شرطه : في الماضي ، أو في المستقبل ، وإذ قد كان فعل الشرط هنا مضارعاً كان في معنى الماضي ، إذ لا يجوز اختلاف زمني فعلي الشرط والجواب ، وإنما يخالف بينهما في الصورة لمجرد التفنن كراهية تكرير الصورة الواحدة ، فتقدير قوله : { لَوْ نشاء أصبناهُم } انْتفى أخذُنَا إياهم في الماضي بذنوب تكذيبهم ، لأجل انتفاء مشيئتنا ذلك لحكمة إمهالهم لا لكونهم أعزّ من الأمم البائدة أو أفضل حالاً منهم ، كما قال تعالى : { فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم } [ غافر : 21 ] الآية ، وفي هذا تهديد بأن الله قد يصيبهم بذنوبهم في المستقبل ، إذ لا يصده عن ذلك غالبٌ ، والمعنى : أغرهم تأخّر العذاب مع تكذيبهم فحسبوا أنفسهم في منعة منه ، ولم يهتدوا إلى أن انتفاء نزوله بهم معلق على انتفاء مشيئتنا وقوعَه لحكمة ، فما بينهم وبين العذاب إلاّ أن نشاء أخذهم ، والمصدر الذي تفيده ( أن ) المخففة ، إذا كان اسمها ضمير شأن ، يقدر ثُبوتاً متصيّداً مما في ( أنْ ) وخبرها من النسبة المؤكدة ، وهو فاعل { يَهِد } فالتقدير في الآية : أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ثبوتُ هذا الخبر المُهم وهو { لو نشاء أصبناهم بذنوبهم }.والمعنى : اعْجَبوا كيف لم يهتدوا إلى أن تأخير العذاب عنهم هو بمحض مشيئتنا وأنه يحق عليهم عندما نشاؤه .وجملة : { ونطبع على قلوبهم } ليست معطوفة على جملة : { أصبناهم } حتى تكون في حكم جواب ( لو ) لأن هذا يفسد المعنى ، فإن هؤلا الذين ورثوا الأرض من بعد أهلها قد طُبع على قلوبهم فلذلك لم تُجْدِ فيهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم مُنذ بُعث إلى زمن نزول هذه السورة ، فلو كان جواباً ل ( لو ) لصار الطبع على قلوبهم ممتنعاً وهذا فاسد ، فتعين : إما أن تكون جملة { ونطبع } معطوفة على جملة الاستفهام برُمَتها فلها حكمها من العطف على أخبار الأمم الماضية والحاضرة .والتقدير : وطَبَعنا على قلوبهم ، ولكنه صيغ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار هذا الطبع وازدياده آنا فآنا ، وإمّا أن تجعل ( الواو ) للاستئناف والجملة مستأنفة ، أي : ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل كما طبعنا عليها في الماضي ، ويُعرف الطبع عليها في الماضي بأخبار أخرى كقوله تعالى : { إن الذين كفروا سواء عليهم } [ البقرة : 6 ] الآية ، فتكون الجملة تذييلاً لتنهية القصة ، ولكن موقع الواو في أول الجملة يرجح الوجه الأول ، وكأن صاحب «المفتاح» يأبى اعتبار الاستئناف من معاني الواو .وجملة : { فهم لا يسمعون } معطوفة بالفاء على { نطبع } متفرعاً عليه ، والمراد بالسماع فهم مغزى المسموعات لا استكاك الآذان ، بقرينة قوله : { ونطبع على قلوبهم }. وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى : { بَلْ طبع الله عليها بكفرهم } في سورة النساء ( 155 ).
الآية 100 - سورة الأعراف: (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ۚ ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون...)