كل نفس بما كسبت من أعمال الشر والسوء محبوسة مرهونة بكسبها، لا تُفَكُّ حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات، إلا المسلمين المخلصين أصحاب اليمين الذين فكُّوا رقابهم بالطاعة، هم في جنات لا يُدْرَك وصفها، يسأل بعضهم بعضًا عن الكافرين الذين أجرموا في حق أنفسهم: ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال المجرمون: لم نكن من المصلِّين في الدنيا، ولم نكن نتصدق ونحسن للفقراء والمساكين، وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغَواية والضلالة، وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء، حتى جاءنا الموت، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات.
«حتى أتانا اليقين» الموت.
فاستمرينا على هذا المذهب الفاسد حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ أي: الموت، فلما ماتوا على الكفر تعذرت حينئذ عليهم الحيل، وانسد في وجوههم باب الأمل.
يعني الموت كقوله تعالى "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أما هو- يعني عثمان بن مظعون - فقد جاءه اليقين من ربه".
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ أى: حتى أدركنا الموت، ورأينا بأعيننا صدق ما كنا نكذب به.فأنت ترى أن هؤلاء المجرمين قد اعترفوا بأن الإلقاء بهم في سقر لم يكن على سبيل الظلم لهم، وإنما كان بسبب تركهم للصلاة وللإطعام، وتعمدهم ارتكاب الباطل من الأقوال والأفعال، وتكذيبهم بيوم القيامة وما فيه من حساب وجزاء.
"حتى أتانا اليقين"، وهو الموت.
أي جاءنا ونزل بنا الموت ; ومنه قوله تعالى : " واعبد ربك حتى يأتيك اليقين " [ الحجر : 99 ] .
( حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ) يقول: قالوا: حتى أتانا الموت الموقن به.
حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) و { اليقين } : اسم مصدر يَقِن كفَرِح ، إذا علم علماً لا شك معه ولا تردد .وإتيانه مستعار لحصوله بعد أن لم يكن حاصلاً ، شبه الحُصول بعد الانتفاء بالمجيء بعد المغيب .والمعنى : حتى حصل لنا العلم بأن ما كنا نكذب به ثابت ، فقوله : { حتى أتانا اليقين } على هذا الوجه غاية لجملة { نكذب بيوم الدين .ويطلق اليقين أيضاً على الموت لأنه معلوم حصوله لكل حيّ فيجوز أن يكون مراداً هنا كما في قوله تعالى : { واعبد رَبّك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر : 99 ] . فتكون جملة { حتى أتانا اليقين } غاية للجمل الأربع التي قبلها من قوله : { لم نَكْ من المصلين } إلى { بيوم الدين .والمعنى : كنا نفعل ذلك مدة حياتنا كلها .وفي الأفعال المضارعة في قوله : لم نك ، ونخوض ، ونكذب } إيذان بأن ذلك ديدنهم ومتجدد منهم طول حياتهم .وفي الآية إشارة إلى أن المسلم الذي أضاع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مستحق حظّاً من سقر على مقدار إضاعته وعلى ما أراد الله من معادلة حسناته وسيئاته ، وظواهره وسرائره ، وقبل الشفاعة وبعدها .وقد حَرَم الله هؤلاء المجرمين الكافرين أن تنفعهم الشفاعة فعسى أن تنفع الشفاعةُ المؤمنين على أقدارهم .