أيظنُّ هذا الإنسان المنكر للبعث أن يُترك هَمَلا لا يُؤمر ولا يُنْهى، ولا يحاسب ولا يعاقب؟ ألم يك هذا الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين يراق ويصب في الأرحام، ثم صار قطعة من دم جامد، فخلقه الله بقدرته وسوَّى صورته في أحسن تقويم؟ فجعل من هذا الإنسان الصنفين: الذكر والأنثى، أليس ذلك الإله الخالق لهذه الأشياء بقادر على إعادة الخلق بعد فنائهم؟ بلى إنه - سبحانه وتعالى- لقادر على ذلك.
«ثم كان» المني «علقة فخلق» الله منها الإنسان «فسوى» عدل أعضاءه.
[ ثُمَّ كَانَ بعد المني عَلَقَةً أي: دما، فَخَلَقَ الله منها الحيوان وسواه أي: أتقنه وأحكمه،
أي فصار علقة ثم مضغة ثم شكل ونفخ فيه الروح فصار خلقا آخر سويا سليم الأعضاء ذكرا أو أنثى بإذن الله وتقديره؟.
ثم كانَ بعد ذلك عَلَقَةً أى: قطعة دم متجمد فَخَلَقَ فَسَوَّى أى: فخلقه الله- تعالى- خلقا آخر بقدرته، وسواه في أحسن تقويم، كما قال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ...
"ثم كان علقةً فخلق فسوى"، فجعل فيه الروح فسوى خلقه.
ثم كان علقة أي دما بعد النطفة ، أي قد رتبه تعالى بهذا كله على خسة قدره . ثم قال : فخلق أي فقدر فسوى أي فسواه تسوية ، وعدله تعديلا ، بجعل الروح فيه
وقوله: ( ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً ) يقول تعالى ذكره: ثم كان دما من بعد ما كان نطفة، ثم علقة، ثم سوّاه بشرًا سويا، ناطقا سميعا بصيرا.
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) والعلقة : القطعة الصغيرة من الدم المتعقد .وعطف فعل كان علقة } بحرف { ثم } للدلالة على التراخي الرتبي فإنّ كَوْنه علقة أعجب من كونه نطفةً لأنه صار علقة بعد أن كان ماءً فاختلط بما تفرزه رحم الأنثى من البويضات فكان من مجموعهما عَلقة كما تقدم في فائدة التقييد بقوله في سورة النجم ( 46 ){ من نطفة إذا تمنى }ولما كان تكوينه علقة هو مبدأ خلق الجسم عطف عليه قوله : فخلق } بالفاء ، لأن العلقة يعقبها أن تصير مضغة إلى أن يتم خلق الجسد وتنفخ فيه الروح .وضمير { خلق } عائد إلى { ربك } [ القيامة : 30 ] . وكذلك عطف { فسَوّى } بالفاء .