سورة الصافات: الآية 116 - ونصرناهم فكانوا هم الغالبين...

تفسير الآية 116, سورة الصافات

وَنَصَرْنَٰهُمْ فَكَانُوا۟ هُمُ ٱلْغَٰلِبِينَ

الترجمة الإنجليزية

Wanasarnahum fakanoo humu alghalibeena

تفسير الآية 116

ونصرناهم، فكانت لهم العزة والنصرة والغلبة على فرعون وآله.

«ونصرناهم» على القبط «فكانوا هم الغالبين».

يذكر تعالى مِنَّتهُ على عبديه ورسوليه، موسى، وهارون ابني عمران، بالنبوة والرسالة، والدعوة إلى اللّه تعالى، ونجاتهما وقومهما من عدوهما فرعون، ونصرهما عليه، حتى أغرقه اللّه وهم ينظرون، وإنزال اللّه عليهما الكتاب المستبين، وهو التوراة التي فيها الأحكام والمواعظ وتفصيل كل شيء، وأن اللّه هداهما الصراط المستقيم، بأن شرع لهما دينا ذا أحكام وشرائع مستقيمة موصلة إلى اللّه، ومَنَّ عليهما بسلوكه.

يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما من قهر فرعون وقومه ، وما كان يعتمده في حقهم من الإساءة العظيمة ، من قتل الأبناء واستحياء النساء ، واستعمالهم في أخس الأشياء . ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم ، وأقر أعينهم منهم ، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم . ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين ، وهو التوراة ، كما قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ) [ الأنبياء : 48 ] .

( وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُواْ هُمُ الغالبين ) أى : ونصرنا موسى وهارون ومن آمن بهما . فكانوا بسبب هذا النصر الذى منحناهم إياه ، هم الغالبين لأعدائهم ، بعد أن كانوا تحت أسرهم وقهرهم .

( ونصرناهم ) يعني : موسى وهارون وقومهما ، ( فكانوا هم الغالبين ) على القبط .

ونصرناهم فكانوا هم الغالبين قال الفراء : الضمير لموسى وهارون وحدهما ، وهذا على أن الاثنين جمع ، دليله قوله : وآتيناهما وهديناهما . وقيل : الضمير لموسى وهارون وقومهما ، وهذا هو الصواب ; لأن قبله ونجيناهما وقومهما .

وقوله ( وَنَصَرْنَاهُمْ ) يقول: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على فرعون وآله بتغريقناهم، ( فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ) لهم.وقال بعض أهل العربية: إنما أريد بالهاء والميم في قوله ( وَنَصَرْنَاهُمْ ) موسى وهارون، ولكنها أخرجت على مخرج مكنيّ الجمع، لأن العرب تذهب بالرئيس كالنبي والأمير وشبه إلى الجمع بجنوده وأتباعه، وإلى التوحيد لأنه واحد في الأصل، ومثله: عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ وفي موضع آخر: وملئه قال: وربما ذهبت العرب بالاثنين إلى الجمع كما تذهب بالواحد إلى الجمع، فتخاطب الرجل، فتقول: ما أحسنتم ولا أجملتم، وإنما تريده بعينه، وهذا القول الذي قاله هذا الذي حكينا قوله في قوله ( وَنَصَرْنَاهُمْ ) وإن كان قولا غير مدفوع، فإنه لا حاجة بنا إلى الاحتيال به لقوله ( وَنَصَرْنَاهُمْ ) لأن الله أتبع ذلك قوله ( وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ) ثم قال: ( وَنَصَرْنَاهُمْ ) يعني: هما وقومهما، لأن فرعون وقومه كانوا أعداء لجميع بني إسرائيل، قد استضعفوهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم، فنصرهم الله عليهم، بأن غرّقهم ونجى الآخرين.

وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116)عطف على قوله : { ولقد نادانا نوحٌ } [ الصافات : 75 ] ، والمناسبة هي ما ذكر هنالك .وذكر هنا ما كان منة على موسى وهارون وهو النبوءة فإنها أعظم درجة يُرفَع إليها الإِنسان ، ولذلك اكتفي عن تعيين الممنون به لحمل الفعل على أكمل معناه . وجعلت منة من الله عليهما لأن موسى لم يسأل النبوءة إذ ليست النبوءة بمكتسبة وكانت منّة على هارون أيضاً لأنه إنما سأل له موسى ذلك ولم يسأله هارون ، فهي منة عليه وإرضاء لموسى ، والمنة عليهما من قبيل إيصال المنافع فَإن الله أرسل موسى لإِنقاذ بني إسرائيل من استعباد القبط لإِبراهيم وإسرائيل .وفي اختلاف مبادىء القصص الثلاث إشارة إلى أن الله يغضب لأوليائه؛ إما باستجابة دعوة ، وإما لجزاء على سلامة طوية وقلب سليم ، وإما لرحمة منه ومنّة على عباده المستضعفين . وإنجاء موسى وهارون وقومهما كرامة أخرى لهما ولقومهما بسببهما ، وهذه نعمة إزالة الضر ، فحصل لموسى وهارون نوعا الإِنعام وهما : إعطاء المنافع ، ودفع المضار .و { الكرب العظيم } : هو ما كانوا فيه من المذلة تحت سلطة الفراعنة ومن اتّباع فرعون إياهم في خروجهم حين تراءى الجمعان فقال أصحاب موسى { إنّا لمدرَكون } [ الشعراء : 61 ] فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه البحر فضربه فانفلق واجتاز منه بنو إسرائيل ، ثم مد البحرُ أمواجه على فرعون وجنده ، على أن الكرب العظيم أطلق على الغرق في قصة نوح السابقة وفي سورة الأنبياء على الأمم التي مرّوا ببلادها من العمالقة والأموريين فكان بنو إسرائيل منتصرين في كل موقعة قاتلوا فيها عن أمر موسى وما انهزموا إلا حين أقدموا على قتال العمالقة والكنعانيين في سهول وادي ( شكول ) لأن موسى نهاهم عن قتالهم هنالك كما هو مسطور في تاريخهم .و { هم } من قوله : { فكانوا هُمُ الغالِبينَ } ضمير فصل وهو يفيد قصراً ، أي هم الغالبين لغيرهم وغيرهم لم يغلبوهم ، أي لم يغلبوا ولو مرة واحدة فإن المنتصر قد ينتصر بعد أن يُغلب في مواقع .
الآية 116 - سورة الصافات: (ونصرناهم فكانوا هم الغالبين...)