إن كانت لكم حجة في كتاب من عند الله فأتوا بها، إن كنتم صادقين في قولكم؟
«فأتوا بكتابكم» التوراة فأروني ذلك فيه «إن كنتم صادقين» في قولكم ذلك.
وكل هذا غير واقع، ولهذا قال: فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فإن من يقول قولا لا يقيم عليه حجة شرعية، فإنه كاذب متعمد، أو قائل على اللّه بلا علم.
( فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ) أي : هاتوا برهانا على ذلك يكون مستندا إلى كتاب منزل من السماء عن الله : أنه اتخذ ما تقولونه ، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل ، بل لا يجوزه العقل بالكلية .
وقوله- تعالى-: أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ. فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إضراب وانتقال من توبيخهم على جهالاتهم، إلى تحديهم وإثبات كذبهم.أى: بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذي قلتموه من أن الملائكة بنات الله؟إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيما زعمتم.فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم.
( فأتوا بكتابكم ) الذي لكم فيه حجة ( إن كنتم صادقين ) في قولكم .
فأتوا بكتابكم أي بحججكم إن كنتم صادقين في قولكم .
وقوله ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) يقول: فأتوا بحجتكم من كتاب جاءكم من عند الله بأن الذي تقولون من أن له البنات ولكم البنين كما تقولون.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) : أي بعذركم ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديّ: ( فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ ) أن هذا كذا بأن له البنات ولكم البنون.وقوله ( إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) يقول: إن كنتم صادقين أن لكم بذلك حُجَّة.
فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157)ثم خوطبوا بأمر التعجيز بأن يأتوا بكتاب أي بكتاب جاءهم من عند الله . وإنما عيّن لهم ذلك لأنهم يعتقدون استحالة مجيء رسول من عند الله واستحالة أن يكلم الله أحداً من خلقه ، فانحصر الدليل المفروض من جانب السمع أن يكون إخباراً من الله في أن ينزَّل عليهم كتاب من السماء لأنهم كانوا يجوّزون ذلك لقولهم : { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } [ الإسراء : 93 ] ، ولن يستطيعوا أن يأتوا بكتاب .فذكر لفظ «كتابكم» إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : فأتوا به ، أي السلطان المبين فإنه لا يحتمل إلا أن يكون كتاباً من عند الله . وإضافة كتاب إلى ضميرهم من إضافة ما فيه معنى المصدر إلى معنى المفعول على طريقة الحذف والإِيصال ، والتقدير : بكتاب إليكم ، لأن ما فيه مادة الكتابة لا يتعدّى إلى المكتوب إليه بنفسه بل بواسطة حرف الجر وهو ( إلى ) .فلا جرم قد اتضح إفحامهم بهذه المجادلة الجارية على القوانين العقلية ولذلك صاروا كالمعترفين بأن لا دليل لهم على ما زعموه فانتقل السائل المستفتي من مقام الاعتراض في المناظرة إلى انقلابه مستدلاً باستنتاج من إفحامهم وذلك هو قوله : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد اللَّه وإنهم لكاذبون }[ الصافات : 151 - 152 ] الواقععِ معترضاً بين الترديد في الدليل .وأما قوله : { أصطفى البنات على البنين } فذلك بمنزلة التسليم في أثناء المناظرة كما علمت عند الكلام عليه ، وهذا يسمى المعارضة . وإنما أقحم في أثناء الاستدلال عليهم ولم يجعل مع حكاية دعواهم ليكون آخرُ الجدل معهم هو الدليلَ الذي يجرف جميع ما بنوه وهو قوله : { أم لكم سلطانٌ مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادِقينَ } . فهذا من بديع النسيج الجامع بين أسلوب المناظرة وأسلوب الموعظة وأسلوب التعليم .وقرأ الجمهور { تَذَكَّرُونَ } بتشديد الذال على أن أصله تتذكرون فأدغمت إحدى التاءين في الذال بعد قلبها ذالاً لقرب مخرجيهما . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتخفيف الذال على أن إحدى التاءين حذفت تخفيفاً .