فإنكم -أيها المشركون بالله- وما تعبدون من دون الله من آلهة، ما أنتم بمضلِّين أحدًا إلا مَن قدَّر الله عز وجل عليه أن يَصْلَى الجحيم؛ لكفره وظلمه.
«ما أنتم عليه» أي على معبودكم عليه متعلق بقوله «بفاتنين» أي أحدا.
أي: إنكم أيها المشركون ومن عبدتموه مع اللّه، لا تقدرون أن تفتنوا وتضلوا أحدا إلا من قضى اللّه أنه من أهل الجحيم، فينفذ فيه القضاء الإلهي، والمقصود من هذا، بيان عجزهم وعجز آلهتهم عن إضلال أحد، وبيان كمال قدرة اللّه تعالى، أي: فلا تطمعوا بإضلال عباد اللّه المخلصين وحزبه المفلحين.
يقول تعالى مخاطبا للمشركين ( فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صالي الجحيم ) أي : ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة من هو أضل منكم ممن ذري للنار . ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ) [ الأعراف : 179 ] . فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة ، كما قال تعالى : ( إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك ) [ الذاريات : 8 ، 9 ] أي : إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل . ثم قال تبارك وتعالى منزها للملائكة مما نسبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات الله.
وقوله : ( مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ) نافية والضمير فى " عليه " يعود على الله - عز وجل - والجار والمجرور متعلق ( بفاتنين ) والمراد بالفتن : هنا الإِفساد ، من قولهم : فلا نفتن على فلان خادمة . إذا أفسده . وجملة ( مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ) خبر إن .
( ما أنتم عليه ) على ما تعبدون ، ) ( بفاتنين ) بمضلين أحدا .
ما أنتم عليه أي على الله بفاتنين بمضلين . النحاس . أهل التفسير مجمعون فيما علمت على أن المعنى : ما أنتم بمضلين أحدا إلا من قدر الله - عز وجل - عليه أن يضل . وقال الشاعر :فرد بنعمته كيده عليه وكان لنا فاتناأي : مضلا .في هذه الآية رد على القدرية . قال عمرو بن ذر : قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر ، فقال عمر : لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس ، وهو رأس الخطيئة ، وإن في ذلك لعلما في كتاب الله عز وجل ، عرفه من عرفه ، وجهله من جهله ، ثم قرأ : فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بفاتنينإلا من كتب الله - عز وجل - عليه أن يصلى الجحيم . وقال : فصلت هذه الآية بين الناس ، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى إضلال أحد إلا من كتب الله عليه أنه لا يهتدي ، ولو علم الله - جل وعز - أنه يهتدي لحال بينه وبينهم ، وعلى هذا قوله تعالى : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك أي : لست تصل منهم إلى شيء إلا إلى ما في علمي . وقال لبيد بن ربيعة في تثبيت القدر فأحسن :إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجلأحمد الله فلا ند له بيديه الخير ما شاء فعلمن هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضلقال الفراء : أهل الحجاز يقولون : فتنت الرجل ، وأهل نجد يقولون : أفتنته .
( مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ) يقول: ما أنتم على ما تعبدون من دون الله بفاتنين: أي بمضِلِّينَ أحدًا.
مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) هو { ما أنتم عليه بفاتِنينَ } . وضمير { أنتُمْ } خطاب للمشركين مثل ضمير «إنكم» .والمعنى : أنكم مصطحبين بالجن الذين تعبدونهم لا تَفتنون أحداً . ووجه ذكر المفعول معه أنهم كانوا يموهون للناس أن الجن تنفع وتضر وأن الأصنام كذلك وكانوا يخوّفون الناس من بأسها وانتقامها كما قالت امرأة الطفيل بن عَمرو الدوسي لما أسلم ودعاها إلى الإسلام «ألا تخشى على الصِبية من ذي الشّرى؟ قال : لا» فأسلمتْ وكانوا يزعمون أن من يسبّ الأصنام يصيبه البرص أو الجذام .قال ابن إسحاق : لما قدم ضمام بن ثعلبة وافدُ بني سعد بننِ بكر على قومه من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله : باسَت اللاتُ والعُزى . فقالوا : يا ضمام اتق الجذام اتق الجنون . ولا يستقيم أن تكون الواو عاطفة لأن الأصنام لا يسند إليها الإِفتان .وجوّز في «الكشاف» أن يكون قوله : { وما تعبدونَ } مفعولاً معه سادّاً مسدّ خبر ( إن ) ، والمعنى : فإنكم مع ما تعبدون ، أي فإنكم قرناء لآلهتكم لا تبرحون تَعبدونها ، وهذا كما يقولون «كل رجل وضيعتَه» أي مع ضيعته ، أي مقارن لها .و { ما تعبدون } صادق على الجن لقوله تعالى : { وجعلوا لله شركاء الجن } [ الأنعام : 100 ] لأن الجن تَصدر منهم فتنة الناس بالإِشراك دون الأصنام إذ لا يتصور ذلك منها قال تعالى : { ويوم نحشرهم وما يعبدون من دون اللَّه فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء } [ الفرقان : 17 ] الآية .وضمير { عَلَيْهِ } يجوز أن يكون عائداً إلى اسم الجلالة في قوله : { ليقولون ولَدَ الله } [ الصافات : 151 - 152 ] أو في قوله : { إلاَّ عباد الله } [ الصافات : 160 ] ، ويجوز أن يعود إلى { ما تعبدون } بمراعاة إفراد اسم الموصول وهو { ما .وحذف مفعول فاتنين } لقصد العموم . والتقدير : بفاتنين أحداً ، ومعياره صحة الاستثناء في قوله : { إلاَّ من هُو صَاللِ الجحيم } فالاستثناء مفرغ والمستثنى مفعول { بفاتِنِينَ } . وحرف ( على ) يتعلق ب«فاتنين» إمّا لتضمين «فاتنين» معنى مفسدين إن كان الضمير المجرور بها عائداً إلى اسم الجلالة كما يقال : فسد العبدُ على سيّده وخَلّق فلان المرأةَ على زوجها ، وتكون ( على ) للاستعلاء المجازي لأن تضمين مفسدين فيه معنى الغلبة .وإما لتضمينه معنى حاملين ومسؤولين ويكون ( على ) بمعنى لام التعليل كقوله : { ولتكبروا اللَّه على ما هداكم } [ البقرة : 185 ] ويكون تقدير مضاف بين ( على ) ومجرورها تقديره : على عبادة ما تعبدون ، والمعنى : أنكم والشياطين لا يتبعكم أحد في دينكم إلا من عرض نفسه ليكون صاليَ الجحيم ، وهذا في معنى قوله تعالى : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين } [ الحجر : 42 - 43 ] .