«وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون» يتلاومون ويتخاصمون.
لما جمعوا هم وأزواجهم وآلهتهم، وهدوا إلى صراط الجحيم، ووقفوا، فسئلوا، فلم يجيبوا، وأقبلوا فيما بينهم، يلوم بعضهم بعضا على إضلالهم وضلالهم.
يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة ، كما يتخاصمون في دركات النار ، ( فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار . قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) [ غافر : 47 ، 48 ] . وقال : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين . قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين . وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] . قالوا لهم هاهنا : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : يقولون : كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا ، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء .وقال مجاهد : يعني : عن الحق ، الكفار تقوله للشياطين .وقال قتادة : قالت الإنس للجن : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) قال : من قبل الخير ، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه .وقال السدي تأتوننا [ عن اليمين ] من قبل الحق ، تزينون لنا الباطل ، وتصدونا عن الحق .وقال الحسن في قوله : ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) إي والله ، يأتيه عند كل خير يريده فيصده عنه .وقال ابن زيد : معناه تحولون بيننا وبين الخير ، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به .وقال يزيد الرشك : من قبل " لا إله إلا الله " . وقال خصيف : يعنون من قبل ميامنهم . وقال عكرمة ( إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ) ، قال : من حيث نأمنكم .
ثم يحكى- سبحانه- ما يدور بينهم من مجادلات يوم القيامة فيقول: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ.ويبدو أن التساؤل والتجادل هنا، يكون بين الأتباع والمتبوعين، أو بين العامة والزعماء.كما تدل عليه آيات منها قوله- تعالى-: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ .
( وأقبل بعضهم على بعض ) أي : الرؤساء والأتباع ) ( يتساءلون ) يتخاصمون .
وأقبل بعضهم على بعض يعني الرؤساء والأتباع " يتساءلون " : يتخاصمون . ويقال : لا يتساءلون فسقطت لا . النحاس : وإنما غلط الجاهل باللغة فتوهم أن هذا من قوله : فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون إنما هو لا يتساءلون بالأرحام ، فيقول أحدهم : أسألك بالرحم الذي بيني وبينك لما نفعتني ، أو أسقطت لي حقا لك علي ، أو وهبت لي حسنة . وهذا بين ; لأن قبله " فلا أنساب بينهم " أي : ليس ينتفعون بالأنساب التي بينهم ، كما جاء في الحديث : إن الرجل ليسر بأن يصبح له على أبيه أو على ابنه حق فيأخذه منه لأنها الحسنات والسيئات ، وفي حديث آخر : رحم الله امرأ كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فأتاه فاستحله قبل أن يطالبه به فيأخذ من حسناته ، فإن لم تكن له حسنات زيد عليه من سيئات المطالب . و " يتساءلون " هاهنا إنما هو أن يسأل بعضهم بعضا ويوبخه في أنه أضله ، أو فتح له بابا من المعصية ، يبين ذلك أن بعده " إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين
وقوله ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) قيل: معنى ذلك: وأقبل الإنس على الجن، يتساءلون.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ) الإنس على الجن.
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) عطف على { مستسلمون } [ الصافات : 26 ] أي استسلموا وعاد بعضهم على بعض باللائمة والمتسائلون : المتقاولون وهم زعماء أهل الشرك ودهماؤهم كما تبينه حكاية تحاورهم من قوله : { وما كان لنا عليكم من سُلطانٍ } وقوله : { فأغْوَيْناكُم } الخ .وعبر عن إقبالهم بصيغة المضي وهو مما سيقع في القيامة ، تنبيهاً على تحقيق وقوعه لأن لذلك مزيد تأثير في تحذير زعمائهم من التغرير بهم ، وتحذيرِ دهمائهم من الاغترار بتغريرهم ، مع أن قرينة الاستقبال ظاهرة من السياق من قوله : { فإذا هم يَنظُرُون } [ الصافات : 19 ] الآية .والإِقبال : المجيء من جهة قُبُل الشيء ، أي من جهة وجهه وهو مجيء المتجاهر بمجيئه غير المتختّل الخائف . واستعير هنا للقصد بالكلام والاهتمام به كأنه جاءه من مكان آخر .فحاصل المعنى حكاية عتاب ولوم توجه به الذين اتبعوا على قادتهم وزعمائهم ، ودلالةُ التركيب عليه أن يكون الإِتيان أطلق على الدعاية والخطابة فيهم لأن الإِتيان يتضمن القصد دون إرادة مجيء ، كقول النابغة :آتاك امرؤ مسْتبطن لي بِغضَة ... وقد تقدم استعماله واستعمال مرادفه وهو المجيء معاً في قوله تعالى : { قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وأتَيْناكَ بالحَقّ } الآية في سورة [ الحجر : 63 - 64 ] . أو أن يكون اليمين مراداً به جهة الخير لأن العرب تضيف الخير إلى جهة اليمين . وقد اشتقت من اليُمن وهو البركة ، وهي مؤذنة بالفوز بالمطلوب عندهم . وعلى ذلك جرت عقائدهم في زجر الطير والوحش من التيمّن بالسانح ، وهو الوارد من جهة يمين السائر ، والتشاؤم ، أي ترقب ورود الشر من جهة الشِمال .