ولما كان قولهم السابق: إِنَّا لَذَائِقُونَ قولا صادرا منهم، يحتمل أن يكون صدقا أو غيره، أخبر تعالى بالقول الفصل الذي لا يحتمل غير الصدق واليقين، وهو الخبر الصادر منه تعالى، فقال: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الْأَلِيمِ أي: المؤلم الموجع.
يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .
إِنَّكُمْ.. أيها المشركون بسبب هذه المزاعم لَذائِقُوا في هذا اليوم الْعَذابِ الْأَلِيمِ الذي يذلكم ويخزيكم ويجعلكم في حزن دائم.
" إنكم لذائقوا العذاب الأليم "
إنكم لذائقو العذاب الأليم الأصل لذائقون ، فحذفت النون استخفافا وخفضت للإضافة . ويجوز النصب كما أنشد سيبويه :فألفيته غير مستقتب ولا ذاكر الله إلا قليلاوأجاز سيبويه " والمقيمي الصلاة " على هذا .
القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الأَلِيمِ (38)يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من أهل مكة، القائلين لمحمد: شاعر مجنون (إنَّكُمْ) أيها المشركون ( لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيم ) الموجع في الآخرة .
إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) هذا من كلام الله يومَ القيامة الموجّه إلى المشركين عقب تساؤلهم وتحاورهم فيكون ما بين هذا وبين محاورتهم المنتهية بقولهم : { إنَّا كُنَّا غاوِينَ } [ الصافات : 32 ] اعتراضاً ، أي فلما انتهوا من تحاورهم خوطبوا بما يقطع طمعهم في قبول تنصل كِلا الفريقين من تبعات الفريق الآخَر ليزدادوا تحققاً من العذاب الذي عَلموه من قولهم : { فحق علينا قول ربنا إنَّا لذائقون } [ الصافات : 31 ] ، وهذا ما تقتضيه دلالة اسم الفاعل في قوله : { لذائِقُوا العَذَابِ } لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال ، أي حال التلبس ، فإنه لما قيل لهم هذا كانوا مشرفين على الوقوع في العذاب وذلك زمن حَاللٍ في العرف العربي .