فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب ، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل ; لما يريد الله به من الدمار ، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين ، أي : من يحشر الجند ويجمعه ، كالنقباء والحجاب ، ونادى فيهم :
والفاء في قوله- تعالى-: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ هي الفصيحة، والحاشرين جمع حاشر: والمراد بهم الذين يحشرون الناس ويجمعونهم في مكان معين، لأمر من الأمور الهامة.قالوا: جمعوا له جيشا كبيرا يتكون من مئات الآلاف من الجنود. أى: وعلم فرعون بخروج موسى ومعه بنو إسرائيل. فأرسل جنوده ليجمعوا له الناس من المدائن المتعددة في مملكته.
( فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ) يحشرون الناس يعني : الشرط ليجمعوا السحرة . وقيل : حتى يجمعوا له الجيش ، وذكر بعضهم : أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية .
فلما أصبح فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل ، خرج في أثرهم ، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر ، فروي أنه لحقه ومعه مائة ألف أدهم من الخيل سوى سائر الألوان . وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا . والله أعلم بصحته . وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك . قال ابن عباس : كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل .
يقول تعالى ذكره: فأرسل فرعون في المدائن يحشر له جنده وقومه
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) ظاهر ترتيب الجمل يقتضي أن الفاء للتعقيب على جملة : { وأوحينا إلى موسى } [ الشعراء : 52 ] وأن بين الجملتين محذوفاً تقديره : فأسرى موسى وخرج بهم فأرسل فرعون حَاشرين ، أي لما خرج بنو إسرائيل خشي فرعون أن ينتشروا في مدائن مصر فأرسل فرعون في المدائن شُرَطاً يحشرون الناس ليلْحقوا بني إسرائيل فيردُّوهم إلى المدينة قاعدة الملك .و { المدائن } : جمع مدينة ، أي البلد العظيم . ومدائن القطر المصري يومئذ كثيرة . منها ( مانوفرى أو منفيس ) هي اليوم ميت رهينة بالجيزة و ( تيبة أو طيبة ) هي بالأقصر و ( أبودو ) وتسمى اليوم العَرابة المدفونة ، و ( ابو ) وهي ( بو ) وهي ادنو ، و ( اون رميسي ) ، و ( أرمنت ) و ( سنَى ) وهي أسناء و ( ساورت ) وهي السيوط ، و ( خمونو ) وهي الاشمونيين ، و ( بامازيت ) وهي البهنسا ، و ( خسوُو ) وهي سخا ، و ( كاريينا ) وهي سد أبي قيرة ، و ( سودو ) وهي الفيوم ، و ( كويتي ) وهي قفط .والتعريف في { المدائن } للاستغراق ، أي في مدائن القطر المصري ، وهو استغراق عرفي ، أي المدائن التي لحكم فرعون أو المظنون وقوعها قرب طريقهم . وكان فرعون وقومه لا يعلمون أين اتجه بنو إسرائيل فأراد أن يتعرض لهم في كل طريق يظن مرورهم به . وكان لا يدري لعلهم توجهوا صوبَ الشام ، أو صوبَ الصحراء الغربية ، وما كان يظن أنهم يقصدون شاطىء البحر الأحمر بحر «القلزم» وكان يومئذ يسمى بحر «سُوف» .