قال إبراهيم: أفأبصرتم بتدبر ما كنتم تعبدون من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر، أنتم وآباؤكم الأقدمون من قبلكم؟ فإن ما تعبدونهم من دون الله أعداء لي، لكن رب العالمين ومالك أمرهم هو وحده الذي أعبده. هو الذي خلقني في أحسن صورة فهو يرشدني إلى مصالح الدنيا والآخرة، وهو الذي ينعم عليَّ بالطعام والشراب، وإذا أصابني مرض فهو الذي يَشْفيني ويعافيني منه، وهو الذي يميتني في الدينا بقبض روحي، ثم يحييني يوم القيامة، لا يقدر على ذلك أحد سواه، والذي أطمع أن يتجاوز عن ذنبي يوم الجزاء.
«الذي خلقني فهو يهدين» إلى الدين.
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ هو المنفرد بنعمة الخلق, ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية.
يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء "الذي خلقني فهو يهدين" أي هو الخالق الذي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه فكل يجري على ما قدر له وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
ثم حكى القرآن الكريم، ما وصف به إبراهيم خالقه من صفات كريمة تليق بجلاله- سبحانه- فقال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أى: أخلص عبادتي لرب العالمين، الذي أوجدنى بقدرته، والذي يهديني وحده إلى ما يصلح شأنى في دنياى وفي آخرتي.قال الجمل وقوله: الَّذِي خَلَقَنِي يجوز فيه أوجه: النصب على النعت لرب العالمين أو البدل أو عطف البيان.. أو الرفع على الابتداء. وقوله فَهُوَ يَهْدِينِ جملة اسمية في محل رفع خبر له .
ثم وصف معبوده فقال : (الذي خلقني فهو يهدين ) أي : يرشدني إلى طريق النجاة .
أي يرشدني إلى الدين .
يقول: فإنهم عدوّ لي إلا ربّ العالمين ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ) للصواب من القول والعمل, ويسددني للرشاد.
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) الأظهر أن الموصول في موضع نعت ل { ربّ العالمين } [ الشعراء : 77 ] وأنّ { فهو يهدين } عطف على الصلة مفرع عليه لأنه إذا كان هو الخالق فهو الأولى بتدبير مخلوقاته دون أن يتولاّها غيره . ويجوز أن يكون الموصول مبتدأ مستأنفاً به ويكون { فهو يهدين } خبراً عن { الذي } . وزيدت الفاء في الخبر لمشابهة الموصول للشرط . وعلى الاحتمالين ففي الموصولية إيماء إلى وجه بناء الخبر وهو الاستدراك بالاستثناء الذي في قوله : { إلا رب العالمين } [ الشعراء : 77 ] ، أي ذلك هو الذي أُخلصُ له لأنه خلقني كقوله في الآية الأخرى : { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } [ الأنعام : 79 ] .وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : { فهو يهدين } دون أن يقول : فيهدين ، لتخصيصه بأنه متولي الهداية دون غيره لأن المقام لإبطال اعتقادهم تصرف أصنامهم بالقصر الإضافي ، وهو قصر قلب . وليس الضمير ضمير فصل لأن ضمير الفصل لا يقع بعد العاطف .والتعبير بالمضارع في قوله : { يهدين } لأن الهداية متجددة له . وجعل فعل الهداية مفرّعاً بالفاء على فعل الخلق لأنه معاقب له لأن الهداية بهذا المعنى من مقتضى الخلق لأنها ناشئة عن خلق العقل كما قال تعالى : { الذي أعطى كلَّ شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 50 ] . والمراد بالهداية الدلالة على طرق العلم كما في قوله تعالى : { وهديناه النجدين } [ البلد : 10 ] فيكون المعنى : الذي خلقني جسداً وعقلاً . ومن الهداية المذكورة دفع وساوس الباطل عن العقل حتى يكون إعمال النظر معصوماً من الخطأ .