سورة الشورى: الآية 45 - وتراهم يعرضون عليها خاشعين من...

تفسير الآية 45, سورة الشورى

وَتَرَىٰهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ ۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ ٱلْخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ

الترجمة الإنجليزية

Watarahum yuAAradoona AAalayha khashiAAeena mina alththulli yanthuroona min tarfin khafiyyin waqala allatheena amanoo inna alkhasireena allatheena khasiroo anfusahum waahleehim yawma alqiyamati ala inna alththalimeena fee AAathabin muqeemin

تفسير الآية 45

وترى -أيها الرسول- هؤلاء الظالمين يُعْرَضون على النار خاضعين متذللين ينظرون إلى النار مِن طرْف ذليل ضعيف من الخوف والهوان. وقال الذين آمنوا بالله ورسوله في الجنة، لما عاينوا ما حلَّ بالكفار من خسران: إن الخاسرين حقًا هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بدخول النار. ألا إن الظالمين- يوم القيامة- في عذاب دائم، لا ينقطع عنهم، ولا يزول.

«وتراهم يعرضون عليها» أي النار «خاشعين» خائفين متواضعين «من الذل ينظرون» إليها «من طرف خفيّ» ضعيف النظر مسارقه، ومن ابتدائية، أو بمعنى الباء «وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة» بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا، والموصول خبر إن «ألا إن الظالمين» الكافرين «في عذاب مقيم» دائم هو من مفعول الله تعالى.

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا أي: على النار خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ أي: ترى أجسامهم خاشعة للذل الذي في قلوبهم، يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أي: ينظرون إلى النار مسارقة وشزرا، من هيبتها وخوفها. وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا حيث ظهرت عواقب الخلق، وتبين أهل الصدق من غيرهم: إِنَّ الْخَاسِرِينَ على الحقيقة الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حيث فوتوا أنفسهم جزيل الثواب، وحصلوا على أليم العقاب وفرق بينهم وبين أهليهم، فلم يجتمعوا بهم، آخر ما عليهم. أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ أنفسهم بالكفر والمعاصي فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ أي: في سوائه ووسطه، منغمرين لا يخرجون منه أبدا، ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

وقوله : ( وتراهم يعرضون عليها ) أي : على النار ( خاشعين من الذل ) أي : الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله ، ( ينظرون من طرف خفي ) قال مجاهد : يعني ذليلا ، أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها ، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة ، وما هو أعظم مما في نفوسهم ، أجارنا الله من ذلك .( وقال الذين آمنوا ) أي : يقولون يوم القيامة : ( إن الخاسرين ) أي : الخسار الأكبر ( الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) أي : ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد ، وخسروا أنفسهم ، وفرق بينهم وبين أصحابهم وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم ، فخسروهم ، ( ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) أي : دائم سرمدي أبدي ، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها .

وقوله- سبحانه- وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ بيان لحالهم عند ما يعرضون على النار بعد بيان ما يقولونه عند رؤيتهم لها.أى: أنهم عند رؤيتهم لجهنم يقولون هل من طريق للهرب من هذا العذاب لكي نرجع إلى الدنيا فنؤمن بالله- تعالى- ونعمل صالحا، فلما وجدوا أنه لا طريق إلى ذلك زاد انكسارهم وذلهم وتراهم- أيها العاقل- يعرضون على النار عرضا مؤلما، فهم خاضعون متضائلون من شدة ما أصابهم من ذل، يسترقون النظر إلى النار من طرف خفى، أى: من عين لا تكاد تتحرك من شدة ضعفها وهوانها ...قال صاحب الكشاف: خاشِعِينَ متضائلين متقاصرين بما يلحقهم، وقوله مِنَ الذُّلِّ متعلق بخاشعين- يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ أى: يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفى بمسارقته كما ترى المصبور- أى المحبوس للقتل- ينظر إلى السيف، وهكذا نظر الناظر إلى المكاره، لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، ويملأ عينيه منها، كما يفعل الناظر إلى الشيء المحبوب ... ».ثم بين- سبحانه- ما يقوله المؤمنون الفائزون برضا الله- تعالى- بعد رؤيتهم لأحوال هؤلاء الظالمين فقال: وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ.أى: وقال المؤمنون- على سبيل التحدث بنعمة الله عليهم- بعد أن رأوا انكسار الظالمين وذلتهم ... قالوا هؤلاء هم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم يوم القيامة بتعريضها للعذاب المهين، وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا معهم في النار فلن ينفعوهم بشيء، وإن كانوا في الجنة فلن يستطيعوا الوصول إليهم ...ألا إن ذلك العذاب المقيم الذي حل بهؤلاء الظالمين هو الخسران التام الكامل الذي لا خسران أفظع منه.

( وتراهم يعرضون عليها ) أي : على النار ، ( خاشعين ) خاضعين متواضعين ، ( من الذل ينظرون من طرف خفي ) خفي النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفا منها وذلة في أنفسهم . وقيل : " من " بمعنى الباء أي : بطرف خفي ضعيف من الذل . وقيل : إنما قال : " من طرف خفي " ؛ لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها . وقيل : معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا ، والنظر بالقلب خفي . ( وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) قيل : خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار ، وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة . ( ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) .

قوله تعالى : وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم .قوله تعالى : وتراهم يعرضون عليها أي على النار لأنها عذابهم ، فكنى عن العذاب المذكور بحرف التأنيث لأن ذلك العذاب هو النار ، وإن شئت جهنم ، ولو راعى اللفظ لقال عليه . ثم قيل : هم المشركون جميعا يعرضون على جهنم عند انطلاقهم إليها ، قاله الأكثرون . وقيل : آل فرعون خصوصا ، تحبس أرواحهم في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح ، فهو عرضهم عليها ، قاله ابن مسعود . وقيل : إنهم عامة المشركين ، تعرض عليهم ذنوبهم في قبورهم ، ويعرضون على العذاب في قبورهم ، وهذا معنى قول أبي الحجاج . خاشعين من الذل ذهب بعض القراء إلى الوقف على ( خاشعين ) . وقوله : ( من الذل ) متعلق ب ( ينظرون ) وقيل : متعلق ( بخاشعين ) ، والخشوع الانكسار والتواضع . ومعنى ينظرون من طرف خفي أي لا يرفعون أبصارهم للنظر رفعا تاما ; لأنهم ناكسو الرءوس . والعرب تصف الذليل بغض الطرف ، كما يستعملون في ضده حديد النظر إذا لم يتهم بريبة فيكون عليه منها غضاضة . وقال مجاهد : من طرف خفي أي : ذليل ، قال : وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عميا ، وعين القلب طرف خفي . وقال قتادة والسدي والقرظي وسعيد بن جبير : يسارقون النظر من شدة الخوف . وقيل : المعنى ينظرون من عين ضعيفة النظر . وقال يونس : من بمعنى الباء ، أي : ينظرون بطرف خفي ، أي : ضعيف من الذل والخوف ، ونحوه عن الأخفش . وقال ابن عباس : بطرف ذابل ذليل . وقيل : أي : يفزعون أن ينظروا إليها بجميع أبصارهم لما يرون من أصناف العذاب . وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة أي يقول المؤمنون في الجنة لما عاينوا ما حل بالكفار إن الخسران في الحقيقة ما صار إليه هؤلاء فإنهم خسروا أنفسهم لأنهم في العذاب المخلد ، وخسروا أهليهم لأن الأهل إن كانوا في النار فلا انتفاع بهم ، وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينه وبينهم . وقيل : خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم أهل في الجنة من الحور العين . وفي سنن ابن ماجه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما منكم من أحد إلا له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى : ( أولئك هم الوارثون ) وقد تقدم . وفي مسند الدارمي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار وما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني . قال هشام بن خالد : ( من ميراثه من أهل النار ) يعني رجالا أدخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون .ألا إن الظالمين في عذاب مقيم أي دائم لا ينقطع . ثم يجوز أن يكون هذا من قول المؤمنين ، ويجوز أن يكون ابتداء من الله تعالى

القول في تأويل قوله تعالى : وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)يقول تعالى ذكره: وترى يا محمد الظالمين يعرضون على النار ( خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ) يقول: خاضعين متذللين.كما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الخشوع: الخوف والخشية لله عزّ وجلّ, وقرأ قول الله عزّ وجلّ: لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ... إلى قوله: ( خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ ) قال: قد أذلهم الخوف الذي نزل بهم وخشعوا له.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( خَاشِعِينَ ) قال: خاضعين من الذلّ.وقوله: ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) يقول: ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين يعرضون عليها من طرف خفي.واختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) فقال بعضهم: معناه: من طرف ذليل. وكأن معنى الكلام: من طرف قد خَفِيَ من ذلَّةٍ.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ )... إلى قوله: ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) يعني بالخفيّ: الذليل.حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله عز وجل: ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) قال: ذليل.وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يسارقون النظر.* ذكر من قال ذلك:حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) قال: يسارقون النظر.حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) قال: يسارقون النظر.واختلف أهل العربية في ذلك, فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: جعل الطرف العين, كأنه قال: ونظرهم من عين ضعيفة, والله أعلم. قال: وقال يونس: إن ( مِنْ طَرْفٍ ) مثل بطرف, كما تقول العرب: ضربته في السيف, وضربته بالسيف.وقال آخر منهم: إنما قيل: ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) لأنه لا يفتح عينيه, إنما ينظر ببعضها.وقال آخرون منهم: إنما قيل: ( مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ) لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم, لأنهم يُحشرُون عُميا.والصواب من القول في ذلك, القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد, وهو أن معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل, وصفه الله جلّ ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم, حتى كادت أعينهم أن تغور, فتذهب.وقوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) يقول تعالى ذكره: وقال الذين آمنوا بالله ورسوله: إن المغبونين الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة في الجنة.كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قال: غبنوا أنفسهم وأهليهم في الجنة.وقوله: ( أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: ألا إن الكافرين يوم القيامة في عذاب لهم من الله مقيم عليهم, ثابت لا يزول عنهم, ولا يَبيد, ولا يخفّ.

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45){ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىٍّ وَقَالَ الذين ءامنوا إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ } .أعيد فعل ( ترى ) للاهتمام بهذه الرؤية وتهويلها كما أعيد فعل ( تلاقوا ) في قول ودَّاككٍ بن ثُمْيل المازني :رويداً بني شيبان بعضَ وعيدكم ... تُلاَقوا غداً خيلي على سَفَوَانِتُلاقوا جياداً لا تَحِيدُ عن الوغَى ... إذا ظَهَرتْ في المَأْزِق المُتَدَانِيوالعَرْض : أصله إظهار الشيء وإراءته للغير ، ولذلكَ كان قول العرب : عَرَضْتُ البَعير على الحوض معدوداً عند علماء اللغة وعلماء المعاني من قبيل القَلْب في التركيب ، ثم تتفرع عليه إطلاقات عديدة متقاربة دقيقة تحتاج إلى تدقيق .ومن إطلاقاته قولهم : عَرْض الجندِ على الأمير ، وعرض الأسرى على الأمير ، وهو إمرارهم ليرى رأيه في حالهم ومعاملتهم ، وهو إطلاقه هنا على طريق الاستعارة ، استعير لفظ { يعرضون } لمعنى : يُمَرُّ بهم مَرًّا عاقبته التمكن منهم والحكمُ فيهم فكأنَّ جهنم إذا عرضوا عليها تحكم بما أعدّ الله لهم من حريقها ، ويفسره قوله في سورة الأحقاف ( 20 ) { ويَوم يُعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } الآية .وقد تقدم إطلاق له آخر عند قوله تعالى : { ثم عَرَضَهم على الملائكة } في سورة البقرة ( 31 ) .وبني فعل { يعرضون } للمجهول لأن المقصود حصول الفعل لا تعيين فاعله . والذين يَعرِضون الكافرين على النار هم الملائكةُ كما دلت عليه آيات أخرى .وضمير { عليها } عائد إلى العذاب بتأويل أنه النار أو جهنم أو عائد إلى جهنم المعلومة من المقام .وانتصب { خاشعين } على الحال من ضمير الغيبة في { تراهُم } لأنها رؤية بصرية .والخشوع : التطامن وأثَر انكسار النفس من استسلام واستكانة فيكون للمخافة ، وللمهابة ، وللطاعة ، وللعجز عن المقاومة .والخشوع مثل الخضوع إلاّ أن الخضوع لا يسند إلاّ إلى البدن فيقال : خضع فلان ، ولا يقال : خضع بَصَرُه إلا على وجه الاستعارة ، كما في قوله تعالى : { فلا تخْضَعْنَ بالقول } [ الأحزاب : 32 ] ، وأما الخشوع فيسند إلى البدن كقوله تعالى : { خاشعين لله } في آخر سورة آل عمران ( 199 ) . ويُسند إلى بعض أعضاء البدن كقوله تعالى : { خُشَّعاً أبصارُهم } في سورة القمر ( 7 ) ، وقوله : وخشعت الأصوات للرحمان فلا تسمع إلا همساً في سورة طه ( 108 ) .والمراد بالخشوع في هذه الآية ما يبدو عليهم من أثر المذلة والمخافة . فقوله : من الذل } متعلق ب { خاشعين } وتعلقه به يغني عن تعليقه ب { ينظرون } ويفيد ما لا يفيده تعليقه به .و { مِنْ } للتعليل ، أي خاشعين خشوعاً ناشئاً عن الذل ، أي ليس خشوعهم لتعظيم الله والاعتراف له بالعبودية لأن ذلك الاعتقاد لم يكن من شأنهم في الدنيا .وجملة { ينظرون من طرف خفي } في موضع الحال من ضمير { خاشعين } لأن النظر من طرف خفيّ حالة للخاشع الذليل ، والمقصود من ذكرها تصوير حالتهم الفظيعة . وفي قريب من هذا المعنى قول النابغة يصف سبايا :يَنْظُرْن شزْراً إلى مَن جاءَ عن عُرُض ... بأوْجُهٍ منكِراتتِ الرِقّ أحْرَارِوقول جرير :فغضَّ الطرف إنك من نُمير ... فلا كعباً بلغتَ ولا كِلاباوالطرْف : أصله مصدر ، وهو تحريك جفْن العين ، يقال : طَرَفَ من باب ضرب ، أي حرّك جفنه ، وقد يطلق على العين من تسمية الشيء بفعله ، ولذلك لا يثنّى ولا يجمع قال تعالى : { لا يرتَدُّ إليهم طَرْفُهم } [ إبراهيم : 43 ] . ووَصْفُه في هذه الآية ب { خفي } يقتضي أنه أريد به حركة العين ، أي ينظرون نظراً خفيّاً ، أي لا حِدّة له فهو كَمُسَارَقَةِ النظر ، وذلك من هول ما يرونه من العذاب ، فهم يحجمون عن مشاهدته للروع الذي يصيبهم منها ، ويبعثهم ما في الإنسان من حب الاطلاع على أن يتطلعوا لما يساقون إليه كحال الهارب الخائف ممن يتبعه ، فتراه يُمعن في الجرْي ويلتفت وراءه الفَينة بعد الفَينة لينظر هل اقتربَ منه الذي يجري وراءه وهو في تلك الالتفاتة أفات خطوات من جريه لكن حب الاطلاع يغالبه .و { من } في قوله : { من طرف خفي } للابتداء المجازي . والمعنى : ينظرون نظراً منبعثاً من حركة الجفن الخفيّة . وحُذف مفعول { ينظرون } للتعميم أي ينظرون العذاب ، وينظرون أهوال الحشر وينظرون نعيم المؤمنين من طَرف خفيّ .{ خَفِىٍّ وَقَالَ الذين ءامنوا إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة أَلاَ إِنَّ الظالمين فِى عَذَابٍ } .يترجح أن الواو للحال لا للعطف ، والجملة حال من ضمير الغيبة في { تراهم } ، أي تراهم في حال الفظاعة الملتبسين بها ، وتراهم في حال سماع الكلام الذامّ لهم الصادر من المؤمنين إليهم في ذلك المشهد . وحُذفت ( قد ) مع الفعل الماضي لظهور قرينة الحال .وهذا قول المؤمنين يوم القيامة إذ كانوا يومئذ مطمئنين من الأهوال شاكرين ما سبق من إيمانهم في الدنيا عارفين بِرِبْححِ تجارتهم ومقابلين بالضد حالة الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا إذ كانوا سبباً في خسارتهم يوم القيامة .والظاهر : أن المؤمنين يقولون هذا بمسمع من الظالمين فيزيد الظالمين تلهيباً لندامتهم ومهانتهم وخزيهم . فهذا الخبر مستعمل في إظهار المسرّة والبهجة بالسلامة مما لحق الظالمين ، أي قالوه تحدثاً بالنعمة واغتباطاً بالسلامة يقوله كل أحد منهم أو يقوله بعضهم لبعض . وإنما جيء بحرف { إنَّ } مع أن القائل لا يشك في ذلك والسامع لا يشك فيه للاهتمام بهذا الكلام إذ قد تبيّنت سعادتهم في الآخرة وتوفيقهم في الدنيا بمشاهدة ضد ذلك في معانديهم .والتعريف في { الخاسرين } تعريف الجنس ، أي لا غيرهم . والمعنى : أنهم الأكملون في الخسران وتسمّى ( ألْ ) هذه دالة على معنى الكمال وهو مستفاد من تعريف الجزءين المفيد للقصر الادعائي حيث نُزل خسران غيرهم منزلة عدم الخسران . فالمعنى : لا خسران يشبه خسرانهم ، فليس في قوله : { إن الخاسرين } إظهار في مقام الإضمار كما توهم ، وقد تقدم نظيره في قوله : { قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة } في سورة الزمر ( 15 ) .والخسران : تلف مال التاجر ، واستعير هنا لانتفاء الانتفاع بما كان صاحبه يُعِده للنفع ، فإنهم كانوا يأمُلون نعيم أنفسهم والأنس بأهليهم حيثما اجتمعوا ، فكُشف لهم في هذا الجمع عن انتفاء الأمرين ، أو لأنهم كانوا يحسبون أن لا يحيوا بعد الموت فحسِبوا أنهم لا يَلْقَوْن بعده ألماً ولا توحشهم فرقة أهليهم فكُشف لهم ما خيَّب ظنهم فكانوا كالتاجر الذي أمّل الربح فأصابه الخسران .وقوله : يوم القيامة } يتعلق بفعل { خسروا } لا بِفعل { قال } .وجملة { ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } تذييل للجمل التي قبلها من قوله : { وترى الظالمين لمَّا رأوا العذاب } [ الشورى : 44 ] الآيات . لأن حالة كونهم في عذاب مقيم أعم من حالة تلهفهم على أن يُردّوا إلى الدنيا ، وذلِهم وسماعِهم الذم .وإعادة لفظ { الظالمين } إظهار في مقام الإضمار اقتضاه أن شأن التذييل أن يكون مستقل الدلالة على معناه لأنه كالمثل . وليست هذه الجملة من قول المؤمنين إذ لا قِبَل للمؤمنين بأن يحكموا هذا الحكم ، على أن أسلوب افتتاحه يقتضي أنه كلام مَن بيده الحكم يوم القيامة وهو مَلِكُ يوم الدين ، فهو كلام من جانب الله ، أي وَهم معَ الندم وذلك الذل والخزي بسماع ما يكرهون في عذاببٍ مستمر . وافتتحت الجملة بحرف التنبيه لكثرة ذلك في التذييلات لأهميتها .والمقيم : الذي لا يرتحل . ووصف به العذاب على وجه الاستعارة ، شبه المستمر الدائم بالذي اتخذ دار إقامة لا يبرحها .
الآية 45 - سورة الشورى: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ۗ وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم...)