( هذا ما توعدون ليوم الحساب ) أي : هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار .
ثم بين- سبحانه- أن هذا العطاء العظيم مقابل عملهم الصالح في الدنيا فقال: هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ.واللام في قوله لِيَوْمِ للتعليل. أى: هذا الذي ذكرناه لكم من نعيم الجنات. هو جزاء إيمانكم وعملكم الصالح من أجل يوم الحساب.
( هذا ما توعدون ) قرأ ابن كثير : " يوعدون " بالياء هاهنا ، وفي " ق " أي : ما يوعد المتقون ، وافق أبو عمرو هاهنا ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما ، أي : قل للمؤمنين : هذا ما توعدون ، ( ليوم الحساب ) أي في يوم الحساب .
قوله تعالى : هذا ما توعدون ليوم الحساب أي هذا الجزاء الذي وعدتم به . وقراءة العامة بالتاء أي : ما توعدون أيها المؤمنون . وقرأ ابن كثير وابن محيصن وأبو عمرو ويعقوب بالياء على الخبر ، وهي قراءة السلمي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم ، لقوله تعالى : وإن للمتقين لحسن مآب فهو خبر . " ليوم الحساب " أي : في يوم الحساب ، قال الأعشى :المهينين ما لهم لزمان السوء حتى إذا أفاق أفاقواأي : في زمان السوء .
وقوله ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) يقول تعالى ذكره: هذا الذي يعدكم الله في الدنيا أيها المؤمنون به من الكرامة لمن أدخله الله الجنة منكم في الآخرة.كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ ) قال: هو في الدنيا ليوم القيامة.
هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)استئناف ابتدائي فيجوز أن يكون كلاماً قيل للمتقين وقت نزول الآية فهو مؤكِّد لمضمون جملة { وإن للمتقين لحسن مئابٍ } [ ص : 49 ] والإِشارة إذن إلى ما سبق ذكره من قوله : { لحسن مئاب } فاسم الإِشارة هنا مغاير لاستعماله المتقدم في قوله : { هذا ذِكرٌ } [ ص : 49 ] . وجيء باسم الإِشارة القريب تنزيلاً للمشار إليه منزلة المشار إليه الحاضر إيماء إلى أنه محقق وقوعه تبشيراً للمتقين . والتعبير بالمضارع في قوله : { تُوعَدُونَ } على ظاهره .ويجوز أن يكون كلاماً يقال للمتقين في الجنة فتكون الجملة مقولَ قول محذوف هو في محل حال ثانية من «المتقين» . والتقدير : مقولاً لهم : هذا ما توعدون ليوم الحساب . والقول : إما من الملائكة مثل قوله تعالى : { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } [ النحل : 32 ] ، وإما من جانب الله تعالى نظير قوله لضدهم : { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } [ آل عمران : 181 ] .والإِشارة إذن إلى ما هو مشاهد عندهم من النعيم .وقرأ الجمهور : { تُوعَدُونَ } بتاء الخطاب فهو على الاحتمال الأول التفات من الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتقين بعزّ الحضور لخطاب الله تعالى ، وعلى الاحتمال الثاني الخطاب لهم على ظاهره . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحده «يوعدون» بياء الغيبة فهو على الاحتمال الأول التفات عن توجيه الخطاب إليهم إلى توجيهه للطاغين لزيادة التنكيل عليهم . والإِشارةُ إلى المذكور من «حسن المئاب» ، وعلى الاحتمال الثاني كذلك وُجّه الكلام إلى أهل المحشر لتنديم الطاغين وإدخال الحسرة والغمّ عليهم . والإِشارة إلى النعيم المشاهد .واللام في { لِيَوْممِ الحِسَابِ } لام العلة ، أي وعدتموه لأجل يوم الحساب . والمعنى لأجل الجزاء يوم الحساب ، فلما كان الحساب مؤذناً بالجزاء جعل اليوم هو العلة . وهذه اللام تفيد معنى التوقيت تبعاً كقوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } [ الإسراء : 78 ] تنزيلاً للوقت منزلة العلة . ولذلك قال الفقهاء : أوقات الصلوات أسباب .