من الأرض خَلَقْناكم - أيها الناس -، وفيها نعيدكم بعد الموت، ومنها نخرجكم أحياء مرة أخرى للحساب والجزاء.
«منها» أي من الأرض «خلقناكم» بخلق أبيكم آدم منها «وفيها نعيدكم» مقبورين بعد الموت «ومنها نخرجكم» عند البعث «تارة» مرة «أخرى» كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
ولما ذكر كرم الأرض، وحسن شكرها لما ينزله الله عليها من المطر، وأنها بإذن ربها، تخرج النبات المختلف الأنواع، أخبر أنه خلقنا منها، وفيها يعيدنا إذا متنا فدفنا فيها، ومنها يخرجنا تارة أخرى، فكما أوجدنا منها من العدم، وقد علمنا ذلك وتحققناه، فسيعيدنا بالبعث منها بعد موتنا، ليجازينا بأعمالنا التي عملناها عليها.وهذان دليلان على الإعادة عقليان واضحان: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها في إيجادهم.
( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى )أي : من الأرض مبدؤكم ، فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض ، ( وفيها نعيدكم ) أي : وإليها تصيرون إذا متم وبليتم ، ومنها نخرجكم تارة أخرى . ( يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ) [ الإسراء : 52 ] .وهذه الآية كقوله تعالى : ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) [ الأعراف : 25 ] .وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة ، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال ( منها خلقناكم ) ثم أخذ أخرى وقال : ( وفيها نعيدكم ) . ثم أخذ أخرى وقال : ( ومنها نخرجكم تارة أخرى ) .
ثم بين- سبحانه- أن هذه الأرض منها خلق الإنسان، وإليها يعود، ومنها يبعث للحساب يوم القيامة، فقال- تعالى-: مِنْها خَلَقْناكُمْ، وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى.والضمير في «منها، وفيها» يعود إلى الأرض المذكورة قبل ذلك في قوله- تعالى-:الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً.. والتارة: بمعنى المرة.أى: من هذه الأرض خلقنا أباكم آدم، وأنتم تبع له، وفرع عنه، كما قال- تعالى-:إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.وقوله: وَفِيها نُعِيدُكُمْ أى: وفي الأرض نعيدكم عند موتكم، حيث تكون محل دفنكم واستقرار أجسادكم.وقوله: وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى أى: ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى أحياء يوم القيامة، للحساب والجزاء.قال- تعالى-: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ.وقال- سبحانه-: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا، هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ .قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله- تعالى-: قالَ فِيها تَحْيَوْنَ، وَفِيها تَمُوتُونَ، وَمِنْها تُخْرَجُونَ .وفي الحديث الذي في السنن أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر ثم قال: «منها خلقناكم» ثم أخذ أخرى وقال: «وفيها نعيدكم» ثم أخرى وقال: «ومنها نخرجكم تارة أخرى» .
( منها ) أي : من الأرض ، ( خلقناكم ) يعني أباكم آدم .وقال عطاء الخراساني إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة فذلك قوله تعالى : ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ) أي : عند الموت والدفن ، ( ومنها نخرجكم تارة أخرى ) يوم البعث .
قوله تعالى : منها خلقناكم يعني آدم - عليه السلام - لأنه خلق من الأرض ؛ قاله أبو إسحاق الزجاج وغيره . وقيل : كل نطفة مخلوقة من التراب ؛ على هذا يدل ظاهر القرآن . وروى أبو هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته ) أخرجه أبو نعيم الحافظ في باب ابن سيرين ، وقال : هذا حديث غريب من حديث عون لم نكتبه إلا من حديث أبي عاصم النبيل ، وهو أحد الثقات الأعلام من أهل البصرة . وقد مضى هذا المعنى مبينا في سورة ( الأنعام ) عن ابن مسعود . وقال عطاء الخراساني : إذا وقعت النطفة في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة ومن التراب ؛ فذلك قوله تعالى : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .وفي حديث البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن العبد المؤمن إذا خرجت روحه صعدت به الملائكة فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة ، فيقولون : فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا فيستفتحون لها فيفتح فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها ، حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة ، فيقول الله - عز وجل - : اكتبوا لعبدي كتابا في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده وذكر الحديث . وقد ذكرناه بتمامه في كتاب ( التذكرة ) وروي من حديث علي - رضي الله عنه - ؛ ذكره الثعلبي . ومعنى وفيها نعيدكم أي بعد الموت ومنها نخرجكم أي للبعث والحساب . تارة أخرى يرجع هذا إلى قوله : منها خلقناكم لا إلى نعيدكم . وهو كقولك اشتريت ناقة ودارا وناقة أخرى ؛ فالمعنى : من الأرض أخرجناكم ونخرجكم بعد الموت من الأرض تارة أخرى .
منها خلقناكميقول تعالى ذكره : من الأرض خلقناكم أيها الناس , فأنشأناكم أجساما ناطقة .وفيها نعيدكميقول : وفي الأرض نعيدكم بعد مماتكم , فنصيركم ترابا , كما كنتم قبل إنشائنا لكم بشرا سويا .ومنها نخرجكميقول : ومن الأرض نخرجكم كما كنتم قبل مماتكم أحياء , فننشئكم منها , كما أنشأناكم أول مرة .تارة أخرىوقوله : تارة أخرى يقول : مرة أخرى , كما : 18222 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة ومنها نخرجكم تارة أخرى يقول : مرة أخرى . 18223 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : تارة أخرى قال : مرة أخرى الخلق الآخر . قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذن : من الأرض أخرجناكم ولم تكونوا شيئا خلقا سويا , وسنخرجكم منها بعد مماتكم مرة أخرى , كما أخرجناكم منها أول مرة .
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)مستأنفة استئنافاً ابتدائياً . وهذا إدماج للتذكير بالخلق الأول ليكون دليلاً على إمكان الخلق الثاني بعد الموت . والمناسبة متمكنة؛ فإن ذكر خلق الأرض ومنافعها يستدعي إكمال ذكر المهم للنّاس من أحوالها ، فكان خلق أصل الإنسان من الأرض شبيهاً بخروج النبات منها . وإخراج النّاس إلى الحشر شبيه بإخراج النبات من الأرض . قال تعالى : { والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً } [ نوح : 17 ، 18 ].وتقديم المجرورات الثلاثة على متعلقاتها؛ فأما المجرور الأول والمجرور الثالث فللاهتمام بكون الأرض مبدأ الخلق الأول والخلق الثاني . وأما تقديم { وفِيهَا نُعِيدكُم } فللمزاوجة مع نظيريه .ودل قوله تعالى : { وفِيهَا نُعيدُكُم } على أن دفن الأموات في الأرض هو الطريقة الشرعيّة لمواراة الموتى سواء كان شَقّاً في الأرض أو لحْداً ، لأن كليهما إعادة في الأرض؛ فما يأتيه بعض الأمم غير المتدينة من إحراق الموتى بالنّار ، أو إغراقهم في الماء ، أو وضعهم في صناديق فوق الأرض ، فذلك مخالف لسنّة الله وفطرته . لأنّ الفطرة اقتضت أنّ الميت يسقط على الأرض فيجب أن يوارى فيها . وكذلك كانت أول مواراة في البشر حين قتَل أحدُ ابني آدم أخَاه . كما قال تعالى في سورة العقود ( 31 ) { فبعث الله غراباً يبحث في الأرض لِيُريَه كيف يُوارِي سوْأة أخيه قال يا ويْلَتَى أعجَزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوَارِيَ سوأة أخي } فجاءت الشرائع الإلهيّة بوجوب الدفن في الأرض .والتّارة : المرة ، وجمعها تارات . وأصل ألفها الواو . وقال ابن الأعرابي : أصل ألفها همزة فلمّا كثر استعمالهم لها تركوا الهمزة . وقال بعضهم : ظهر الهمز في جمعها على فِعَل فقالوا : تِئَر بالهمز . ويظهر أنّها اسم جامد ليس له أصل مشتق منه .والإخراج : هو إخراجها إلى الحشر بعد إعادة هياكل الأجسام في داخل الأرض ، كما هو ظاهر قوله ومنها نُخْرِجُكُم } ، ولذلك جعل الإخراج تارة ثانية للخلق الأول من الأرض . وفيه إيماء إلى أن إخراج الأجساد من الأرض بإعادة خلقها كما خلقت في المرّة الأولى ، قال تعالى : { كما بدَأنا أوَّل خلق نُعيده } [ الأنبياء : 104 ].