ودلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله على البعث والنشور: هذه الأرض الميتة التي لا نبات فيها، أحييناها بإنزال الماء، وأخرجنا منها أنواع النبات مما يأكل الناس والأنعام، ومن أحيا الأرض بالنبات أحيا الخلق بعد الممات.
«وآية لهم» على البعث خبر مقدم «الأرض الميتة» بالتخفيف والتشديد «أحييناها» بالماء مبتدأ «وأخرجنا منها حبا» كالحنطة «فمنه يأكلون».
أي: وَآيَةٌ لَهُمُ على البعث والنشور، والقيام بين يدي اللّه تعالى للجزاء على الأعمال، هذه الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أنزل اللّه عليها المطر، فأحياها بعد موتها، وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ من جميع أصناف الزروع، ومن جميع أصناف النبات، التي تأكله أنعامهم.
يقول تعالى : ( وآية لهم ) أي : دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ( الأرض الميتة ) أي : إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات ، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت ، وأنبتت من كل زوج بهيج ; ولهذا قال : ( أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) أي : جعلناه رزقا لهم ولأنعامهم
قال الإمام الرازي ما ملخصه قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وجه تعلقه بما قبله، أنه- سبحانه- لما قال: وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ كان ذلك إشارة إلى الحشر، فذكر ما يدل على إمكانه قطعا لإنكارهم واستبعادهم، وعنادهم فقال: وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها.. أى: وكذلك نحيى الموتى ... .والمراد بالآية هنا: العلامة والبرهان والدليل.والمراد بالأرض الميتة: الأرض الجدباء التي لا نبات فيها.والمراد بالحب: جنسه من حنطة وشعير وغيرهما.أى: ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المشركين على قدرتنا على إحياء الموتى، أننا ننزل الماء على الأرض الجدباء. فتهتز وتربو، وتخرج ألوانا وأصنافا من الحبوب التي يعيشون عليها.ويأكلون منها.ونكر- سبحانه- لفظ آيَةٌ للإشعار بأنها آية عظيمة، كان ينبغي لهؤلاء المشركين أن يلتفتوا إليها، لأنهم يشاهدون بأعينهم الأرض القاحلة السوداء، كيف تتحول إلى أرض خضراء بعد نزول المطر عليها.والله- تعالى- الذي قدر على ذلك، قادر- أيضا- على إحياء الموتى وإعادتهم إلى الحياة.وقوله: أَحْيَيْناها كلام مستأنف مبين لكيفية كون الأرض الميتة آية.وقدم- سبحانه- الجار والمجرور في قوله فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ للدلالة على أن الحب هو الشيء الذي تكون منه معظم المأكولات التي يعيشون عليها، وأن قلّته تؤدى الى القحط والجوع.
( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ) بالمطر ( وأخرجنا منها حبا ) يعني : الحنطة والشعير وما أشبههما ( فمنه يأكلون ) أي : من الحب .
قوله تعالى : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها نبههم الله تعالى بهذا على إحياء الموتى ، وذكرهم توحيده وكمال قدرته ، وهي الأرض الميتة أحياها بالنبات وإخراج الحب منها . فمنه أي : من الحب يأكلون وبه يتغذون . وشدد أهل المدينة " الميتة " وخفف الباقون ، وقد تقدم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)يقول تعالى ذكره: ودلالة لهؤلاء المشركين على قُدرة الله على ما يشاء، وعلى إحيائه من مات من خلقه وإعادته بعد فنائه، كهيئته قبل مماته إحياؤه الأرض الميتة، التي لا نبت فيها ولا زرع بالغيث الذي ينزله من السماء حتى يخرج زرعها، ثم إخراجه منها الحب الذي هو قوت لهم وغذاء، فمنه يأكلون.
وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)عطف على قصة { واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية } [ يس : 13 ] فإنه ضرب لهم مثلاً لحال إعراضهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وما تشتمل عليه تلك الحال من إشراك وإنكار للبعث وأذى للرسول صلى الله عليه وسلم وعاقبة ذلك كله . ثم أعقب ذلك بالتفصيل لإِبطال ما اشتملت عليه تلك الاعتقادات من إنكار البعث ومن الإِشراك بالله .وابتدىء بدلالة تقريب البعث لمناسبة الانتقال من قوله : { وإن كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لدينا مُحْضَرُون } [ يس : 32 ] على أن هذه لا تخلو من دلالتها على الانفراد بالتصرف ، وفي ذلك إثبات الوحدانية .و { وءَايَةٌ } مبتدأ و { لَّهُمُ } صفة { آية } ، و { الأرْضُ } خبر { آية } ، و { المَيْتَةُ } صفة { الأرْضُ } . وجملة { أحْيَيْناهَا } في موضع الحال من { الأرْضُ } وهي حال مقيدة لأن إحياء الأرض هو مناط الدلالة على إمكان البعث بعد الموت ، أو يكون جملة { أحْيَيْناها } بياناً لجملة { آية لهم الأرض } لبيان موقع الآية فيها ، أو بدل اشتمال من جملة { آية لهم الأرض } ، أو استئنافاً بيانياً كأنّ سائلاً سأل : كيف كانت الأرض الميتة؟وموت الأرض : جفافها وجَرازتها لخلوّها من حياة النبات فيها ، وإحياؤها : خروج النبات منها من العشب والكلأ والزرع .وقرأ نافع وأبو جعفر { المَيِّتَةُ } بتشديد الياء . وقرأ الباقون بتخفيف الياء ، والمعنى واحد وهما سواء في الاستعمال .والحبّ : اسم جمع حبّة ، وهو بَزرة النبت مثل البُرّة والشعيرة . وقد تقدم عند قوله تعالى : { كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } في سورة البقرة ( 261 ) .وإخراج الحب من الأرض : هو إخراجه من نباتها فهو جاء منها بواسطة . وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال ولذلك فرّع عليه { فَمِنْهُ يأكلون . } وتقديم { منه } على { يأكُلُونَ } للاهتمام تنبيهاً على النعمة ولرعاية الفاصلة .