أوليس الذي خلق السموات والأرض وما فيهما بقادر على أن يخلق مثلهم، فيعيدهم كما بدأهم؟ بلى، إنه قادر على ذلك، وهو الخلاق لجميع المخلوقات، العليم بكل ما خلق ويَخْلُقُ، لا يخفى عليه شيء.
«أوَ ليس الذي خلق السماوات والأرض» مع عظمهما «بقادر على أن يخلق مثلهم» أي الأناسي في الصغر «بلى» أي هو قادر على ذلك أجاب نفسه «وهو الخلاًق» الكثير الخلق «العليم» بكل شيء.
ثم ذكر دليلا رابعا فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ على سعتهما وعظمهما بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي: [أن] يعيدهم [بأعيانهم]. بَلَى قادر على ذلك، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ وهذا دليل خامس، فإنه تعالى الخلاق، الذي جميع المخلوقات، متقدمها ومتأخرها، صغيرها وكبيرها، كلها أثر من آثار خلقه وقدرته، وأنه لا يستعصي عليه مخلوق أراد خلقه.
قول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلق السماوات السبع ، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت ، والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال ، وبحار وقفار ، وما بين ذلك ، ومرشدا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة ، كقوله تعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] . وقال هاهنا : ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ) أي : مثل البشر ، فيعيدهم كما بدأهم . قاله ابن جرير .وهذه الآية كقوله تعالى : ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) [ الأحقاف : 33 ] ، وقال : ( بلى وهو الخلاق العليم )
ثم أضاف- سبحانه- إلى توبيخهم على جهلهم وكفرهم توبيخا آخر. فقال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.والاستفهام- كسابقه- للإنكار والتعجيب من جهالاتهم، والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام والضمير في «مثلهم» يعود إلى المنكرين للبعث.والمعنى: إن من قدر على خلق السموات والأرض- وهما في غاية العظم- قادر من باب أولى على إعادة خلق البشر، الذي هو صغير الشكل، ضعيف القوة.وجملة: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ جواب من جهته- تعالى- وتصريح بما أفاده الاستفهام الإنكارى، من تقرير ما بعد النفي، وتأكيد قدرته- سبحانه- على الخلق والإعادة. لأن «بلى» حرف جواب، يؤتى به لإثبات فعل ورد قبله منفيا.أى: بلى إنه لقادر- سبحانه- على أن يخلق مثلهم، وعلى أن يعيدهم للحياة مرة أخرى، وهو- سبحانه- «الخلاق» أى: الكثير المخلوقات «العليم» أى: الكثير العلم بحيث لا يخفى عليه شيء.
( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ) قرأ يعقوب : " يقدر " بالياء على الفعل ( على أن يخلق مثلهم بلى ) أي : قل : بلى ، هو قادر على ذلك ( وهو الخلاق ) [ يخلق خلقا بعد خلق ] ، ) ( العليم ) بجميع ما خلق .
ثم قال تعالى محتجا : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم أي : أمثال المنكرين للبعث . وقرأ سلام أبو المنذر ويعقوب الحضرمي : " يقدر على أن يخلق مثلهم " على أنه فعل . بلى وهو الخلاق العليم أي إن خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم ، فالذي خلق السماوات والأرض يقدر على أن يبعثهم . وهو الخلاق العليم وقرأ الحسن باختلاف عنه " الخالق " .
( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) يقول تعالى ذكره منبها هذا الكافر الذي قال مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ على خطأ قوله، وعظيم جهله ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ ) السبع ( وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ ) مثلكم، فإن خلق مثلكم من العظام الرميم ليس بأعظم من خلق السَّمَواتِ والأرض. يقول: فمن لم يتعذر عليه خلق ما هو أعظم من خلقكم، فكيف يتعذر عليه إحياء العظام بعد ما قد رمَّت وبلِيَت؟ وقوله ( بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ ) يقول: بلى هو قادر على أن يخلق مثلهم وهو الخلاق لما يشاء، الفعَّال لما يريد، العليم بكل ما خلق ويخلق ، لا يخفي عليه خافية.
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81)عطف هذا التقرير على الاحتجاجات المتقدمة على الإِنسان المعني من قوله تعالى : { أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ مِن نُطْفَةٍ } [ يس : 77 ] ، وذلك أنه لما تبيّن الاستدلال بخلق أشياء على إمكان خَلق أمثالها ارتُقِي في هذه الآية إلى الاستدلال بخلق مخلوقات عظيمة على إمكان خلق مَا دونها .وجيء في هذا الدليل بطريقة التقرير الذي دل عليه الاستفهام التقريري لأن هذا الدليل لوضوحه لا يسع المُقِرّ إلا الإِقرار به فإن البديهة قاضية بأن مَن خلق السماوات والأرض هو على خلق نَاس بعد الموت أقدر . وإنما وجه التقرير إلى نفي المقرَّر بثبوته توسعة على المقرَّر إن أراد إنكاراً مع تحقق أنه لا يسعه الإِنكار فيكون إقراره بعد توجيه التقرير إليه على نفي المقصود ، شاهداً على أنه لا يستطيع إلا أن يقرّ ، وأمثال هذا الاستفهام التقريري كثيرة .وقرأ الجمهور { بقادر } بالباء الموحدة وبألف بعد القاف وجرّ الاسم بالباء المزيدة في النفي لتأكيده . وقرأه رويس عن يعقوب بتحتية بصيغة المضارع { يَقدر } . ولكون ذلك كذلك عقب التقرير بجواب عن المقرر بكلمة { بلى } التي هي لنقض النفي ، أي بلى هو قادر على أن يخلق مثلهم .وضمير { مِثلَهُم } عائد إلى { الإنْسانُ } في قوله : { أو لم ير الإنسانُ } [ يس : 77 ] على تأويله بالناس سواء كان المراد بالإِنسان في قوله : { أو لم ير الإنسانُ أنَّا خلقناهُ من نُطْفة } [ يس : 77 ] شخصاً معيّناً أم غير شخص ، فالمقصود هو وأمثاله من المشايعين له على اعتقاده وهم المشركون بمكة ، أي قادر على أن يخلق أمثالهم ، أي أجساداً على صورهم وشَبههم لأن الأجسام المخلوقة للبعث هي أمثال الناس الذين كانوا في الدنيا مركبين من أجزائهم فإن إعادة الخلق لا يلزم أن تكون بجمع متفرق الأجسام بل يجوز كونها عن عدمها ، ولعل ذلك كيفيات ، فالأموات الباقية أجسادها تُبثّ فيها الحياة ، والأموات الذين تفرقت أوصالهم وتفسخت يعاد تصويرها ، والأجساد التي لم تبق منها باقية تعاد أجساد على صورها لتودع فيها أرواحهم ، ألا ترى أن جسد الإِنسان يتغير على حالته عند الولادة ويكبر وتتغير ملامحه ، ويجدّد كل يوم من الدم واللحم بقدر ما اضمحلّ وتبخّر ولا يعتبر ذلك التغير تبديلاً لذاته فهو يُحسّ بأنه هو هو والناس يميّزونه عن غيره بسبب عدم تغير الروح . وفي آيات القرآن ما يدل على هذه الأحوال للمعاد ، ولذلك اختلف علماء السنّة في أن البعث عن عدم أو عن تفريق كما أشار إليه سيف الدين الآمدي في «أبْكار الأفكار» ومودعة فيها أرواحهم التي كانت تدبر أجسامهم فإن الأرواح باقية بعد فناء الأجساد .وجملة { وهُوَ الخَلّاقُ العَلِيمُ } مُعترضة في آخر الكلام ، والواو اعتراضية ، أي هو يخلق خلائق كثيرة وواسع العلم بأحوالها ودقائق ترتيبها .