سورة الأعراف: الآية 83 - فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت...

تفسير الآية 83, سورة الأعراف

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

الترجمة الإنجليزية

Faanjaynahu waahlahu illa imraatahu kanat mina alghabireena

تفسير الآية 83

فأنجى الله لوطًا وأهله من العذاب حيث أمره بمغادرة ذلك البلد، إلا امرأته، فإنها كانت من الهالكين الباقين في عذاب الله.

«فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين» الباقين في العذاب.

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ْ أي: الباقين المعذبين، أمره اللّه أن يسري بأهله ليلا، فإن العذاب مصبح قومه فسرى بهم، إلا امرأته أصابها ما أصابهم.

يقول تعالى : فأنجينا لوطا وأهله ، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط ، كما قال تعالى : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) [ الذاريات : 35 ، 36 ] إلا امرأته فإنها لم تؤمن به ، بل كانت على دين قومها ، تمالئهم عليه وتعلمهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم ; ولهذا لما أمر لوط ، عليه السلام ، أن يسري بأهله أمر ألا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد . ومنهم من يقول : بل اتبعتهم ، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم . والأظهر أنها لم تخرج من البلد ، ولا أعلمها لوط ، بل بقيت معهم ; ولهذا قال هاهنا : ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) أي : الباقين . ومنهم من فسر ذلك ( من الغابرين ) من الهالكين ، وهو تفسير باللازم .

ثم حكت السورة عاقبة الفريقين فقالت: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ أى: أنجينا لوطا ومن يختص به من ذويه أو من المؤمنين به.قالوا: ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال- تعالى-: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.وقوله: إِلَّا امْرَأَتَهُ استثناء من أهله، أى: فأنجيناه وأهله إلا امرأته فإنا لم ننجها لخبثها وعدم إيمانها.قال ابن كثير: إنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها، تمالئهم عليه وتخبرهم بمن يقدم عليه من ضيفانه بإشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط- عليه السلام- ليسرى بأهله أمر أن لا يعلمها ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم، والأظهر أنها لم تخرج من البلد ولا أعلمها لوط بل بقيت معهم، ولهذا قال هاهنا: إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ أى: «الباقين في العذاب» .والغابر: الباقي. يقال: غبر الشيء يغبر غبورا، أى «بقي» . وقد يستعمل فيما مضى- أيضا- فيكون من الأضداد، ومنه قول الأعشى: في الزمن الغابر. أى: الماضي.

( فأنجيناه ) يعني : لوطا ، ( وأهله ) المؤمنين ، وقيل : أهله : ابنتاه ، ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) يعني : الباقين في العذاب ، وقيل : معناه كانت من الباقين المعمرين ، قد أتى عليها دهر طويل فهلكت مع من هلك من قوم لوط ، وإنما قال : " من الغابرين " لأنه أراد : ممن بقي من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قال : " من الغابرين " .

من الغابرين أي الباقين في عذاب الله ; قاله ابن عباس وقتادة . غبر الشيء إذا مضى ، وغبر إذا بقي . وهو من الأضداد . وقال قوم : الماضي عابر بالعين غير معجمة . والباقي غابر بالغين معجمة . حكاه ابن فارس في المجمل . وقال الزجاج : من الغابرين أي من الغائبين عن النجاة وقيل : لطول عمرها . قال النحاس : وأبو عبيدة يذهب إلى أن المعنى من المعمرين ; أي إنها قد هرمت . والأكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي ; قال الراجز :فما ونى محمد مذ أن غفر له الإله ما مضى وما غبر

القول في تأويل قوله : فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فلما أبى قوم لوط= مع توبيخ لوط إياهم على ما يأتون من الفاحشة، وإبلاغه إياهم رسالة ربه بتحريم ذلك عليهم= إلا التمادي في غيّهم، أنجينا لوطًا وأهله المؤمنين به ، إلا امرأته ، فإنها كانت للوط خائنة ، وبالله كافرة.* * *وقوله: ( من الغابرين ) ، يقول: من الباقين.* * *وقيل: ( من الغابرين ) ، ولم يقل " الغابرات "، لأنه أريد أنها ممن بقي مع الرجال، (4) فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل: " من الغابرين ". (5)* * *والفعل منه: " غبَرَ يَغْبُرُ غُبُورًا ، وغَبْرًا "، (6) وذلك إذا بقي ، كما قال الأعشى:عَضَّ بِمَا أَبْقَى المَوَاسِي لَهُمِنْ أَمَةٍ فِي الزَّمَنِ الغَابِرِ (7)وكما قال الآخر: (8)&; 12-552 &; وَأَبِي الَّذِي فَتَحَ البِلادَ بِسَيْفِهِفَأَذَلَّها لِبَنِي أَبَانَ الغَابِرِ (9)يعني: الباقي.* * *فإن قال قائل: فكانت امرأة لوط ممن نجا من الهلاك الذي هلك به قوم لوط؟قيل: لا بل كانت فيمن هلك.فإن قال: فكيف قيل: ( إلا امرأته كانت من الغابرين ) ، وقد قلت إن معنى " الغابر " الباقي؟ فقد وجب أن تكون قد بقيت؟قيل: إن معنى ذلك غير الذي ذهبتَ إليه ، وإنما عنى بذلك ، إلا امرأته كانت من الباقين قبلَ الهلاك ، والمعمَّرين الذين قد أتى عليهم دهرٌ كبيرٌ ومرّ بهم زمن كثيرٌ، حتى هرِمت فيمن هرِم من الناس، فكانت ممن غبرَ الدهرَ الطويلَ قبل هلاك القوم، فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين جاءهم العذاب.* * *وقيل: معنى ذلك: من الباقين في عذاب الله.* ذكر من قال ذلك:14839-حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ، [ سورة الشعراء : 171 /سورة الصافات : 135 ] ، في عذاب الله.--------------------الهوامش :(4) في المطبوعة: "لأنه يريد" وأثبت ما في المخطوطة.(5) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 218 ، 219.(6) قوله: "وغبرا" ، ضبطته بفتح فسكون ، ولم يرد هذا المصدر في شيء من كتب اللغة ، اقتصروا على المصدر الأول.(7) ديوانه: 106 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 219 ، من قصيدته التي هجا بها علقمة ، ومدح عامرًا ، كما أسلفت في تخريج أبيات مضت من القصيدة ، وفي المطبوعة ومجاز القرآن"من أمه" ، وأثبت ما في الديوان ، قال أبو عبيدة ، بعد البيت: "لم يختن فيما مضى ، فبقي من الزمن الغابر ، أي الباقي. ألا ترى أنه قال:وَكُنَّ قَدْ أَبْقَيْنَ مِنْهَا أَذًىعِنْدَ المَلاقِي وَافِيَ الشَّافِروهو هجاء لأم علقمة قبيح.(8) هو يزيد بن الحكم بن أبي العاص الثقفي.(9) خزانة الأدب 1: 55 ، وكان يزيد شريفًا عزيزًا ، وأبوه الحكم بن أبي العاصي الثقفي ، أحد أصحاب الفتوح الكثيرة في فارس وغيرها ، وكذلك عمه عثمان بن أبي العاص صاحب رسول الله ، فدعاه الحجاج بن يوسف الثقفي ، فولاه فارس ، فلما جاء يأخذ عهده ، قال له الحجاج: يا يزيد ، أنشدني بعض شعرك ، وإنما أراد أن ينشده مديحًا له ، فأنشده قصيدة يفخر فيها ، يقول:وَأَبِي الَّذِي فَتَحَ البِلادَ بِسَيْفِهفَأَذلَّهَا لِبَنِي أَبَانَ الغَابِرِوَأَبِي الَّذِي سَلَبَ ابْنَ كِسْرَى رايةًبيضاءَ تَخْفِقُ كالعُقَابِ الكَاسِرِوِإذَا فَخَرْتُ فَخَرْتُ غَيْرَ مُكَذَّبفَخْرًا أَدُقُّ بِهِ فَخَارَ الفَاخِرِفنهض الحجاج مغضبًا ، وخرج يزيد من غير أن يودعه. فأرسل الحجاج حاجبه وراءه يرتجع منه العهد ، ويقول له: أيهما خير لك ، ما ورثك أبوك أم هذا؟ فقال يزيد: قل له:وَرِثْتُ جَدِّي مَجْدَهُ وَفَعَالَهُوَوَرِثْتَ جَدَّك أعْنُزًا بالطائفِثم سار ولحق بسليمان بن عبد الملك وهو ولي للعهد ، فضمه إليه وجعله من خاصته.وروى صاحب الخزانة: "لبني الزمان الغابر" ، وأما رواية جعفر"لبني أبان" ، فإنه يعني عشيرته ورهطه ، فإن جده هو"أبو العاص بن بشر بن عبد دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن يسار الثقفي".وقوله"وأبي الذي سلب ابن كسرى راية" ، يعني أباه الحكم في فتح فارس ، وإصطخر سنة 23 من الهجرة. (انظر تاريخ الطبري 5: 6/ وفتوح البلدان: 393 ، 394).

قوله تعالى : { فأنجيناه } تعقيب لجملة : { وما كان جواب قومه } [ الأعراف : 82 ] أو لجملة : { قال لقومه } [ الأعراف : 80 ] وهذا التّعقيب يؤذن بأنّ لوطاً عليه السّلام أُرسل إلى قومه قبل حلول العذاب بهم بزمن قليل .و { أنجيّناه } مقدّم من تأخير . والتّقدير : فأمطرنا عليهم مطراً وأنجيناه وأهلَه ، فقدم الخبر بإنجاء لوط عليه السّلام على الخبر بإمطارهم مطرَ العذاب ، لقصد إظهار الاهتمام بأمر إنجاء لوط عليه السّلام ، ولتعجيل المسّرة للسّامعين من المؤمنين ، فتطمئنّ قلوبهم لحسن عواقب أسلافهم من مؤمني الأمم الماضية ، فيعلموا أنّ تلك سنّة الله في عباده ، وقد تقدّم بيان ذلك عند قوله تعالى : { فكذّبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك } في هذه السّورة ( 64 ).وأهل لوط عليه السّلام هم زوجه وابنتان له بكران ، وكان له ابنتان متزوّجتان كما ورد في التّوراة امتنع زوجاهما من الخروج مع لوط عليه السّلام فهلكتا مع أهل القرية .وأمّا امرأة لوط عليه السّلام فقد أخبر الله عنها هنا أنّ الله لم ينجها ، فهلكت مع قوم لوط ، وذكر في سورة هود ما ظاهره أنّها لم تمتثل ما أمر الله لوطاً عليه السّلام أن لا يلتفت هو ولا أحد من أهله الخارجين معه إلى المدن حين يصيبها العذاب فالتفتت امرأته فأصابها العذاب ، وذكر في سورة التّحريم أنّ امرأة لوط عليه السّلام كانت كافرة . وقال المفسّرون : كانت تُسِرّ الكفر وتظهر الإيمان ، ولعلّ ذلك سبب التفاتها لأنّها كانت غير موقنة بنزول العذاب على قوم لوط ، ويحتمل أنّها لم تخرج مع لوط عليه السّلام وإن قوله : { إلاّ امرأتك } في سورة هود ( 81 ) ، استثناء من أهلك } لا من { أحد }. لعلّ امرأة لوط عليه السّلام كانت من أهل ( سَدوم ) تزوّجها لوط عليه السّلام هنالك بعد هجرته ، فإنّه أقام في ( سدوم ) سنين طويلة بعد أن هلكت أمّ بناته وقبل أن يرسل ، وليست هي أمّ بنتيه فإنّ التّوراة لم تذكر امرأة لوط عليه السّلام إلاّ في آخر القصّة .ومعنى { من الغابرين } من الهالكين ، والغابر يطلق على المنقضي ، ويطلق على الآتي ، فهو من أسماء الأضداد ، وأشهر إطلاقيه هو المنقضي ، ولذلك يقال : غَبر بمعنى هلك ، وهو المراد هنا : أي كانت من الهالكين ، أي هلكت مع من هلك من أهل ( سدوم ).
الآية 83 - سورة الأعراف: (فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين...)