فدعا رسولهم ربه قائلا رب انصرني عليهم بسبب تكذيبهم لي.
«قال رب انصرني بما كذبون».
لما اشتد كفرهم، ولم ينفع فيهم الإنذار، دعا عليهم نبيهم فقال: رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ أي: بإهلاكهم، وخزيهم الدنيوي، قبل الآخرة.
( قال رب انصرني بما كذبون ) أي : استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم ، فأجاب دعاءه ،
ثم يحكى لنا القرآن بعد ذلك موقف النبي الذي أرسله الله- تعالى- لهؤلاء القوم الظالمين فيقول: قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ.أى: قال ما قاله أخوه نوح من قبله: رب انصرني على هؤلاء الجاحدين، فأنت تعلم-يا إلهى- أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك.
" قال رب انصرني بما كذبون ".
أي انتقم ممن لم يطعني ولم يسمع رسالتي .
وقوله: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ يقول: قال صالح لما أيس من إيمان قومه بالله ، ومن تصديقهم إياه بقولهم : وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ربّ انصرني على هؤلاء بما كذّبون يقول: بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحقِّ، فاستغاث صلوات الله عليه بربه من أذاهم إياه ، وتكذيبهم له.
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) استئناف بياني لأن ما حكي من صد الملإ الناس عند اتباعه وإشاعتهم عنه أنه مفتر على الله وتلفيقهم الحجج الباطلة على ذلك مما يثير سؤال سائل عما كان من شأنه وشأنهم بعد ذلك ، فيجاب بأنه توجه إلى الله الذي أرسله بالدعاء بأن ينصره عليهم . وتقدم القول في نظيره آنفاً في قصة نوح .وجاء جواب دعاء هذا الرسول غير معطوف لأنه جرى على أسلوب حكاية المحاورات الذي بيَّناه في مواضع منها قوله : { قَالُوا أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها } في سورة البقرة ( 30 ) .{ وعَمَّا قَليلٍ } أفاد حرف ( عن ) المجاوزة ، أي مجاوزة معنى مُتعلَّقها الاسمَ المجرور بها . ويكثر أن تفيد مجاوزة معنى متعلّقها الاسم المجرور بها فينشأ منها معنى ( بَعْد ) نحو { لَتَرْكَبُنّ طَبَقاً عَن طَبَقٍ } [ الانشقاق : 19 ] فيقال : إنها تجيء بمعنى ( بَعْد ) كما ذكره النحاة وهم جروا على الظاهر وتفسير المعنى إذ لا يكون حرف بمعنى اسم ، فإن معاني الحروف ناقصة ومعاني الأسماء تامة .