وكانوا يقيمون على الكفر بالله والإشراك به ومعصيته، ولا ينوون التوبة من ذلك.
«وكانوا يصرون على الحنث» الذنب «العظيم» أي الشرك.
وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ أي: وكانوا يفعلون الذنوب الكبار ولا يتوبون منها، ولا يندمون عليها، بل يصرون على ما يسخط مولاهم، فقدموا عليه بأوزار كثيرة [غير مغفورة].
( وكانوا يصرون ) أي : يصممون ولا ينوون توبة ( على الحنث العظيم ) وهو الكفر بالله ، وجعل الأوثان والأنداد أربابا من دون الله .قال ابن عباس : ( الحنث العظيم ) الشرك . وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وغيرهم .وقال الشعبي : هو اليمين الغموس .
وقوله - سبحانه - : ( وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم ) بيان لسبب آخر من الأسباب التى أدت بهم إلى هذا المصير السىء .والحنث : الذنب الكبير ، والمعصية الشديدة ، ويندرج تحته الإشراك بالله - تعالى - ، وإنكار البعث والجزاء ، والحلف الكاذب مع تعمد ذلك .أى : وكانوا فى الدنيا يصرون على ارتكاب الذنوب العظيمة ، ويتعمدون إتيانها بدون تحرج أو تردد ، ومن مظاهر ذلك أنهم أقسموا بالأيمان المغلظة أنه لا بعث ولا حساب ، ولا جزاء ، كما قال - تعالى - : ( وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ . . . ).
( وكانوا يصرون ) يقيمون ( على الحنث العظيم ) على الذنب الكبير وهو الشرك . وقال الشعبي : " الحنث العظيم " اليمين الغموس . ومعنى هذا : أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك .
وكانوا يصرون على الحنث العظيم أي يقيمون على الشرك ، عن الحسن والضحاك وابن زيد .وقال قتادة ومجاهد : الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه . الشعبي : هو اليمين الغموس وهي من الكبائر ، يقال : حنث في يمينه أي لم يبرها ورجع فيها . وكانوا يقسمون أن لا بعث ، وأن الأصنام أنداد الله ، فذلك حنثهم ، قال الله تعالى مخبرا عنهم : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت وفي الخبر : كان يتحنث في حراء ، أي يفعل ما يسقط عن نفسه الحنث وهو الذنب .
وقوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) يقول جلّ ثناؤه: وكانوا يقيمون على الذنب العظيم.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد يُصِروّن: يدمنونحدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: يدهنون، أو يدمنون.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ ) قال: لا يتوبون ولا يستغفرون، والإصرار عند العرب على الذنب: الإقامة عليه، وترك الإقلاع عنه.وقوله: (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) يعني: على الذنب العظيم، وهو الشرك بالله.وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.* ذكر من قال ذلك:حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) قال: على الذنب.حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا أبو تُميلة، قال: ثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك، في قوله: (الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) قال: الشرك.حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) يعني: الشرك.حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) قال: الذنب.حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) قال: الحنث العظيم: الذنب العظيم، قال: وذلك الذنب العظيم الشرك لا يتوبون ولا يستغفرون.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) وهو الشرك.حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا مهران، عن ابن جُريج، عن مجاهد (عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ) قال: الذنب العظيم.
وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46(بقرينة عطف { وكانوا يصرون على الحنث . . . وكانوا يقولون } الخ عليه .فأمّا إصرارهم على الحنث وإنكارهم البعث فلا يخفى تسببه في العذاب لأن الله توعدهم عليه فلم يقلعوا عنه ، وإنما يبقى النظر في قوله : { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين } فإن الترف في العيش ليس جريمة في ذاته وكم من مؤمن عاش في ترف ، وليس كل كافر مُترفاً في عيشه ، فلا يكون الترف سبباً مستقلاً في تسبب الجزاء الذي عوملوا به .فتأويل هذا التعليل : إما بأن يكون الإتراف سبباً باعتبار ضميمة ما ذُكر بعده إليه بأن كان إصرارهم على الحنث وتكذيبهم بالبعث جريمتين عظمتين لأنهما محفوفتان بكفر نعمة الترف التي خولهم الله إياها على نحو قوله تعالى : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [ الواقعة : 82 ] فيكون الإِتراف جُزءَ سبب وليس سبباً مستقلاً ، وفي هذا من معنى قوله تعالى : { وذَرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلاً } [ المزمل : 11 ] .وإما بأن يراد أن الترف في العيش عَلّق قلوبهم بالدنيا واطمأنوا بها فكان ذلك مُملياً على خواطرهم إنكار الحياة الآخرة ، فيكون المراد الترف الذي هذا الإِنكار عارض له وشديد الملازمة له ، فوزانه وزان قوله تعالى : { والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم } [ محمد : 12 ] .وفسر { مترفين } بمعنى متكبرين عن قبول الحقّ . والمترف : اسم مفعول من أترفه ، أي جعله ذا ترفة بضم التاء وسكون الراء ، أي نعمة واسعة ، وبناؤه للمجهول لعدم الإحاطة بالفاعل الحقيقي للإتراف كشأن الأفعال التي التزم فيها الإسناد المجازي العقلي الذي ليس لمثله حقيقة عقلية ، ولا يقدّر بنحو : أترفه الله ، لأن العرب لم يكونوا يقدّرون ذلك فهذا من باب : قال قائل ، وسأل سائل .وإنما جعل أهل الشمال مترَفين لأنهم لا يخلو واحد منهم عن ترف ولو في بعض أحواله وأزمانه من نعم الأكل والشرب والنساء والخمر ، وكل ذلك جدير بالشكر لواهبه ، وهم قد لابسوا ذلك بالإشراك في جميع أحوالهم ، أو لأنهم لما قصروا انظارهم على التفكير في العيشة العاجلة صرفهم ذلك عن النظر والاستدلال على صحة ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا وجه جعل الترف في الدنيا من أسباب جزائهم الجزاء المذكور .