إلا عباد الله تعالى الذين أخلصوا له في عبادته، فأخلصهم واختصهم برحمته؛ فإنهم ناجون من العذاب الأليم.
«إلا عباد الله المخلصين» أي المؤمنين استثناء منقطع، أي ذكر جزائهم في قوله.
يقول تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم غير ذائقي العذاب الأليم، لأنهم أخلصوا للّه الأعمال، فأخلصهم، واختصهم برحمته، وجاد عليهم بلطفه.
يقول تعالى مخاطبا للناس : ( إنكم لذائقو العذاب الأليم . وما تجزون إلا ما كنتم تعملون ) ، ثم استثنى من ذلك عباده المخلصين ، كما قال تعالى ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ العصر : 1 - 3 ] .وقال : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ التين : 4 - 6 ] ، وقال : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا . ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا ) [ مريم : 71 ، 72 ] ، وقال : ( كل نفس بما كسبت رهينة . إلا أصحاب اليمين ) [ المدثر : 38 ، 39 ] ولهذا قال هاهنا : ( إلا عباد الله المخلصين ) أي : ليسوا يذوقون العذاب الأليم ، ولا يناقشون في الحساب ، بل يتجاوز عن سيئاتهم ، إن كان لهم سيئات ، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، إلى ما يشاء الله تعالى من التضعيف .
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله: إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ استثناء منقطع من ضمير «ذائقو» وما بينهما اعتراض جيء به مسارعة إلى تحقيق الحق. ببيان أن ذوقهم العذاب ليس إلا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا. فإلا مؤولة بلكن.فالمعنى: إنكم- أيها المشركون- لذائقو العذاب الأليم، لكن عباد الله المخلصين- ليسوا كذلك- أولئك لهم رزق معلوم...ولفظ الْمُخْلَصِينَ قرأه بعض القراء السبعة- بفتح اللام-، أى: لكن عباد الله- تعالى- الذين أخلصهم الله- تعالى- لطاعته وتوحيده ليسوا كذلك.وقرأه البعض الآخر بكسر اللام. أى: لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة، لا يذوقون حر النار كالمشركين.
( إلا عباد الله المخلصين ) الموحدين .
إلا عباد الله المخلصين استثناء ممن يذوق العذاب . وقراءة أهل المدينة والكوفة المخلصين بفتح اللام ، يعني الذين أخلصهم الله لطاعته ودينه وولايته . الباقون بكسر اللام ، أي : الذين أخلصوا لله العبادة . وقيل : هو استثناء منقطع ، أي : إنكم أيها المجرمون ذائقو العذاب ، لكن عباد الله المخلصين لا يذوقون العذاب .
وقوله ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) يقول: إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته، وكتب لهم السعادة في أم الكتاب، فإنهم لا يذوقون العذاب، لأنهم أهل طاعة الله، وأهل الإيمان به.حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) قال: هذه ثَنِية الله.
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) استثناء منقطع في معنى الاستدراك ، والاستدراك تعقيب الكلام بما يضاده ، وهذا الاستدراك تعقيب على قوله : { فإنَّهم يومئذٍ في العذاببِ مشتركونَ } [ الصافات : 33 ] فإن حال عبَاد الله المخلصين تام الضدية لحال الذين ظلموا ، وليس يلزم في الاستدراك أن يكون رفعَ توهّم وإنما ذلك غالب ، فقول بعض العلماء في تعريفه هو : تعقيب الكلام برفع ما يُتوهم ثبوتُه أو نفيُه ، تعريف أغلبي ، أو أريد أدنى التوهم لأن الاستثناء المنقطع أعمّ من ذلك ، فقد يكون إخراجاً من حكم لا من محكوم عليه ضرورة أنهم صرحوا بأن حرف الاستثناء في المنقطع قائم مقام لكن ، ولذلك يقتصرون على ذكر حرف الاستثناء والمستثنى بل يردفونه بجملة تُبين محلّ الاستدراك كقوله تعالى : { فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } [ الأعراف : 11 ] وقوله : { إلا إبليس أبى } [ البقرة : 34 ]