تحتوي هذه الصفحة على جميع آيات سورة التوبة بالإضافة إلى تفسير جميع الآيات من قبل تفسير الوسيط لطنطاوي (محمد سيد طنطاوي). في الجزء الأول يمكنك قراءة سورة التوبة مرتبة في صفحات تماما كما هو موجود في القرآن. لقراءة تفسير لآية ما انقر على رقمها.
معلومات عن سورة التوبة
نوع سورة التوبة: مدنية
عدد الآيات في سورة التوبة: 129
ترتيب سورة التوبة في القرآن الكريم: 9
ترتيب نزول الوحي: 113
اسم السورة باللغة الإنجليزية: The Repentance
أرقام الصفحات في القرآن الكريم: من الصفحة 187 إلى 207
Kayfa yakoonu lilmushrikeena AAahdun AAinda Allahi waAAinda rasoolihi illa allatheena AAahadtum AAinda almasjidi alharami fama istaqamoo lakum faistaqeemoo lahum inna Allaha yuhibbu almuttaqeena
وقوله- سبحانه-: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ الاستفهام فيه للإنكار والاستبعاد لأن يكون للمشركين عهد. وهو إنكار للوقوع لا للواقع. أى تحذير للمؤمنين من أن يقع منهم ذلك في المستقبل.والمراد بالمشركين أولئك الذين نقضوا عهودهم، لأن البراءة إنما هي في شأنهم.والعهد: ما يتفق شخصان أو طائفتان من الناس على التزامه بينهما، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضى زيادة العناية بالوفاء به سمى ميثاقا، لاشتقاقه من الوثاق- بفتح الواو- وهو الحبل أو القيد. وإن أكداه باليمين خاصة سمى يمينا.وسمى بذلك لوضع كل من المتعاقدين يمينه في يمين الآخر عند عقده.والمعنى: لا ينبغي ولا يجوز أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله لأن هؤلاء المشركين لا يدينون لله بالعبودية، ولا لرسوله بالطاعة، ولأنهم قوم دأبهم الخيانة. وعادتهم الغدر، ومن كان كذلك لا يكون له عهد عند الله ولا عند رسوله.قالوا: وفي توجيه الإنكار إلى كيفية ثبوت العهد من المبالغة ما ليس في توجيهه إلى ثبوته، لأن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال، فإذا انتفت جميع أحوال وجوده، فقد انتفى وجوده بالطريق البرهاني. وتكرير كلمة عِنْدَ للإيذان بعدم الاعتداد بعهودهم عند كل من الله- تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم على حدة.ويَكُونُ من الكون التام وكَيْفَ محلها النصب على التشبيه بالحال أو الظرف.أو من الكون الناقص فيكون قوله عَهْدٌ اسمها، وقوله كَيْفَ خبرها وهو واجب التقديم، لأن الاستفهام له صدر الكلام.وقوله: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ..استثناء من المشركين الذين استنكرت الآية أن تكون لهم عهود عند الله وعند رسوله.والمراد بالمشركين الذين استثنوا هنا: أولئك الذين سبق الحديث عنهم في قوله- تعالى- قبل ذلك إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ...وهم- كما رجحه ابن جرير والخازن- بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة من قبائل بنى بكر، وكانوا قد وفوا بعهودهم مع المسلمين .وأعيد ذكر استثنائهم هنا، لتأكيد هذا الحكم وتقريره.والمراد بالمسجد الحرام: جميع الحرم، فيكون الكلام على حذف مضاف.أى: عند قرب المسجد الحرام.والتعرض لكون المعاهدة عند المسجد الحرام، لزيادة بيان أصحابها، وللإشعار بسبب وجوب الوفاء بها.والمعنى: لا ينبغي ولا يصح أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، لكن الذين عاهدتموهم- أيها المؤمنون- عند المسجد الحرام من المشركين ولم ينقضوا عهودهم فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ.أى: فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، فتكون ما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية.ويصح أن تكون شرطية وعائدها محذوف فيكون المعنى: فأى زمان استقاموا لكم فيه فاستقيموا لهم، إذ لا يجوز أن يكون نقض العهد من جهتكم.وقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ تذييل قصد به التعليل لوجوب الامتثال، وتبيين أن الوفاء بالعهد إلى مدته مع الموفين بعهدهم من تقوى الله التي يحبها لعباده، ويحبهم بسبب تمسكهم بها.هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية: ان العهد المعتد به في شريعة الإسلام، هو عهد الأوفياء غير الناكثين، وأن من استقام على عهده عاملناه بمقتضى استقامته، وأن الالتزام بالعهود من تقوى الله التي يحبها لعباده.
وقوله- سبحانه- كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ...لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، ولاستنكار ان يكون لهم عهد حقيق بالمراعاة، وبيان لما يكون عليه أمرهم عند ظهورهم على المؤمنين.وفائدة هذا التكرار للفظ كَيْفَ: التأكيد والتمهيد لتعداد الأسباب التي تدعو المؤمنين إلى مجاهدتهم والإغلاظ عليهم، والحذر منهم.قال الآلوسى: وحذف الفعل بعد كيف هنا لكونه معلوما من الآية السابقة، وللإيذان بأن النفس مستحضرة له، مترقبة لورود ما يوجب استنكاره.وقد كثر الحذف للفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده. ومن ذلك قول كعب الغنوي يرثى أخاه أبا المغوار:وخبرتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وماتا هضبة وقليبيريد فكيف مات والحال ما ذكر.والمراد هنا: كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله وحالهم أنهم إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً .وقوله: يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يظفروا بكم ويغلبوكم. يقال: ظهرت على فلان أى:غلبته ومنه قوله- تعالى- فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أى:غالبين.وقوله: لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ أى: لا يراعوا في شأنكم. يقال: رقب فلان الشيء يرقبه إذا رعاه وحفظه.. ورقيب القوم حارسهم.والإل: يطلق على العهد، وعلى القرابة، وعلى الحلف.قال ابن جرير- بعد أن ساق أقوالا في معنى الإل- وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: والإل: اسم يشتمل على معان ثلاثة: وهي العهد والعقد، والحلف، والقرابة.. ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى القرابة قول ابن مقبل:أفسد الناس خلوف خلفوا ... قطعوا الإل وأعراق الرحمأى قطعوا القرابة.ومن الدلالة على أنه يكون بمعنى العهد قول القائل:وجدناهم كاذبا إلّهم ... وذو الإل والعهد لا يكذبوإذا كانت الكلمة تشمل هذه المعاني الثلاثة، ولم يكن الله خص من ذلك معنى دون معنى، فالصواب أن يعم ذلك كما عم بها- جل ثناؤه- معانيها الثلاثة ...والذمة: كل أمر لزمك بحيث إذا ضيعته لزمك مذمة أو هي ما يتذمم به أى يجتنب فيه الذم.والمعنى: بأية صفة أو بأية كيفية يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، والحال المعهود منهم أنهم إن يظفروا بكم ويغلبوكم، لا يراعوا في أمركم لا عهدا ولا حلفا ولا قرابة ولا حقا من الحقوق.وقوله- تعالى-: يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ زيادة بيان للأحوال القبيحة الملازمة لهؤلاء المشركين.أى: أن هؤلاء المشركين إن غلبوكم- أيها المؤمنون- فعلوا بكم الأفاعيل، وتفتنوا في إيذائكم من غير أن يقيموا ووزنا لما بينكم وبينهم من عهود ومواثيق، وقرابات وصلات ... أما إذا كانت الغلبة لكم فإنهم في هذه الحالة يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ أى: يعطونكم من ألسنتهم كلاما معسولا إرضاء لكم، وهم في الوقت نفسه تَأْبى قُلُوبُهُمْ المملوءة حقدا عليكم وبغضا لكم تصديق ألسنتهم، فهم كما وصفهم- سبحانه- في آية أخرى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ .وتقييد الإرضاء بالأفواه، للإشعار بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم.وقوله: وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ أى: خارجون عن حدود الحق، منفصلون عن كل فضيلة ومكرمة، إذ الفسق هو الخروج والانفصال. يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها وفسق فلان إذا خرج عن حدود الشرع.وإنما وصف أكثرهم بالفسوق، لأن هؤلاء الأكثرين منهم، هم الناقضون لعهودهم، الخارجون على حدود ربهم، أما الأقلون منهم فهم الذين وفوا بعهودهم، ولم ينقصوا المؤمنين شيئا، ولم يظاهروا عليهم أحدا.وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد وصفت هؤلاء المشركين وصفا في نهاية الذم والقبح، لأنهم إن كانوا أقوياء فجروا وأسرفوا في الإيذاء، نابذين كل عهد وقرابة وعرف ... أما إذا شعروا بالضعف فإنهم يقدمون للمؤمنين الكلام اللين الذي تنطق به ألسنتهم، وتأباه قلوبهم الحاقدة الغادرة.أى أن الغدر ملازم لهم في حالتي قوتهم وضعفهم، لأنهم في حالة قوتهم لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً.وفي حالة ضعفهم يخادعون ويداهنون حتى تحين لهم الفرصة للانقضاض على المؤمنين.
Ishtaraw biayati Allahi thamanan qaleelan fasaddoo AAan sabeelihi innahum saa ma kanoo yaAAmaloona
ثم بين- سبحانه- بعد ذلك السبب الأصيل الذي جعل الغدر ديدنهم، والحقد على المؤمنين دأبهم فقال: اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ، إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.والمراد بالاشتراء هنا الاستبدال والاستيعاض.والمراد بآيات الله: كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من آيات قرآنية، ومن تعاليم سامية تهدى إلى الخير والفلاح.والمعنى إن السبب الأصيل الذي حمل هؤلاء المشركين على الغدر، وعلى الفجور والطغيان عند القوة وعلى المداهنة والمخادعة عند الضعف. هو أنهم استبدلوا بآيات الله المتضمنة لكل خير وفلاح ... ثمنا قليلا. أى: عرضا حقيرا من أعراض الدنيا وزخارفها.وليس وصف الثمن بالقلة هنا من الأوصاف المخصصة للنكرات. بل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات. لأن كل ثمن يؤخذ في مقابل آيات الله فهو قليل وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا وزينتها.وقوله: فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ بيان لما ترتب على استبدالهم بآيات الله ثمنا قليلا.والصد: المنع والحيلولة بين الشيء وغيره، ويستعمل لازما فيقال: صد فلان عن الشيء صدودا بمعنى أعرض عنه. ويستعمل متعديا فيقال: صده عنه إذا صرفه عن الشيء.وهنا تصح إرادة المعنيين فيكون التقدير: أن هؤلاء المشركين قد اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، يترتب على ذلك أن أعرضوا عن طريق الله الواضحة المستقيمة التي جاء بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بهذا بل صرفوا غيرهم عنها، ومنعوه من الدخول فيها.وقوله: إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ تذييل قصد به بيان سوء عاقبتهم، وقبح أعمالهم.أى: إنهم ساء وقبح عملهم الذي كانوا يعملونه من اشترائهم بآيات الله ثمنا قليلا، ومن صدودهم عن الحق وصدهم لغيرهم عنه.. وسيجازيهم الله على ذلك بما يستحقونه عن عقاب شديد.
La yarquboona fee muminin illan walathimmatan waolaika humu almuAAtadoona
ثم بين- سبحانه- أن عداوة هؤلاء المشركين ليست خاصة بالمؤمنين الذين يقيمون معهم، وإنما هي عداوة عامة شاملة لكل مؤمن مهما تباعد عنهم فقال- تعالى-:لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ.أى: أن هؤلاء المشركين لا يراعون في أمر مؤمن يقدرون على الفتك به عهدا يحرم الغدر، ولا قرابة تقتضي الود، ولا ذمة توجب الوفاء خشية الذم ... وإنما يبيتون الحقد والغدر والأذى لكل مؤمن، من غير أن يقيموا للعهود أو للفضائل وزنا.وهذه الآية الكريمة أعم من قوله- تعالى: قبل ذلك: كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً لأن هذه بينت أن عدوانهم على المؤمنين مقيد بظهورهم عليهم، أما التي معنا فقد بينت أن عدوانهم ليس مقيدا بشيء، فهم متى وجدوا الفرصة اهتبلوها في الاعتداء على المؤمنين ولأن التي معنا بينت أن عداوتهم قد شملت كل مؤمن مهما كان موضعه.أما الآية السابقة فهي تخاطب المؤمنين الذين كان بينهم وبين المشركين الكثير من الحروب والدماء.وقوله وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ تذييل قصد به ذمهم والتحقير من شأنهم.أى: وأولئك المشركون الموصوفون بتلك الصفات السيئة هم المتجاوزون لحدود الله والخارجون على كل فضيلة ومكرمة.
وبعد أن وضحت السورة الكريمة طبيعة هؤلاء المشركين بالنسبة لكل مؤمن، وبينت الأسباب التي جعلتهم بمعزل عن الحق والخير.. شرعت في بيان ما يجب أن يفعله المؤمنون معهم في حالتي إيمانهم وكفرهم فقال تعالى.فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ.أى: فإن تابوا عن شركهم وما يتبعه من رذائل ومنكرات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، على الوجه الذي أمر الله به فهم في هذه الحالة فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم وهذه الأخوة تجبّ ما قبلها من عداوات.وقوله: وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ جملة معترضة، جيء بها للحث والتحري على ما فصله- سبحانه- من أحكام المشركين، وعلى الالتزام بها.هذا ما يجب على المؤمنين نحو هؤلاء المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة..أما إن كانت الأخرى، أى إذا لم يتوبوا وأصروا على عداوتهم، فقد بين سبحانه. ما يجب على المؤمنين نحوهم في هذه الحالة فقال:
Wain nakathoo aymanahum min baAAdi AAahdihim wataAAanoo fee deenikum faqatiloo aimmata alkufri innahum la aymana lahum laAAallahum yantahoona
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ.أى: وإن نقضوا عهودهم من بعد أن تعاقدوا معكم على الوفاء بها.وقوله: نَكَثُوا من النكث بمعنى النقض والحل. يقال نكث فلان الحبل إذا نقض فتله وحل خيوطه ومنه قوله- تعالى-: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً .وقوله: وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ معطوف على ما قبله. أى: وعابوه وانتقصوه.وقوله: فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ أى: فقاتلوهم فهم أئمة الكفر، وحملة لوائه. فوضع- سبحانه- الاسم الظاهر المبين لشر صفاتهم موضع الضمير على سبيل الذم لهم.وقيل: المراد بأئمة الكفر رؤساؤهم وصناديدهم الذين كانوا يحرضونهم على عداوة المؤمنين، ويقودونهم لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.وعطف. سبحانه- قوله وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ على ما قبله مع أن نقض العهد كاف في إباحة قتالهم، لزيادة تحريض المؤمنين على مجاهدتهم والاغلاظ عليهم.وقوله: إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ تعليل للأمر بقتالهم أى قاتلوا هؤلاء المشركين بعزيمة صادقة، وقلوب ثابتة. لأنهم قوم لا أيمان ولا عهود لهم على الحقيقة، لأنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان.وقرأ ابن عامر إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ- بكسر الهمزة. على أنها مصدر آمنه إيمانا بمعنى إعطاء الأمان. أى إنهم لا أمان لهم فاحذروا الاغترار بهم. أو المراد الإيمان الشرعي. أى إنهم لا تصديق ولا دين لهم، ومن كان كذلك فلا وفاء له.وقوله: لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ متعلق بقوله فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ.أى: ليكن مقصدكم من مقاتلتهم- بعد أن وجد منهم ما وجد من إيذائكم الرجاء في هدايتهم، والانتهاء عن كفرهم وخيانتهم.. واحذروا أن يكون مقصدكم من ذلك العدوان واتباع الهوى.هذا، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات سوى ما سبق- ما يأتى:1- أن ما ذكرته الآيات من كون المشركين، لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، يقرر حقيقة واقعة، ومن الأدلة على ذلك ما فعله التتار بالمسلمين- وخاصة مسلمي بغداد. سنة 656. وما فعله الوثنيون الهنود مع مسلمي باكستان، وما فعله الشيوعيون. في روسيا والصين وغيرها- مع المسلمين الذين كانوا يعيشون معهم .2- أن هؤلاء المشركين متى تابوا عن كفرهم، وأقلعوا عن شركهم، واندمجوا في جماعة المؤمنين.. صاروا إخوة لنا في الدين.وهذه الأخوة الدينية- كما يقول صاحب المنار- مما يحسدنا جميع أهل الملل عليها فهي لا تزال أقوى فينا منها فيهم برا وتعاونا. وعاصمة لنا من فوضى الشيوعية، وأثرة المادية وغيرها، على ما منيت به شعوبنا من الضعف واختلال النظام، واختلاف الجنسيات والأحكام. .3- قال القرطبي: استدل بعض العلماء بهذه الآية وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ- على وجوب قتل كل من طعن في الدين، إذ هو كافر. والطعن أن ينسب إليه ما لا يليق به، أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين لما ثبت من الدليل القطعي على صحة أصوله واستقامة فروعه.وقال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم عليه القتل. وممن قال بذلك مالك والليث وأحمد وإسحاق والشافعى .4- أخذ بعضهم من قوله- تعالى- إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ أن الكافر لا يمين له على الحقيقة.قال الفخر الرازي: وبه تمسك أبو حنيفة. رحمه الله. في أن يمين الكافر لا يكون يمينا.وعند الشافعى. رحمه الله- يمينهم يمين. ومعنى الآية عنده: أنهم لما لم يفوا بها صارت أيمانهم كأنها ليست بأيمان. والدليل على أن أيمانهم أيمان أنه- سبحانه- وصفها بالنكث في قوله وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ.. ولو لم يكن منعقدا لما صح وصفها بالنكث .5- دل قوله تعالى لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ على أن قتال المؤمنين للمشركين لا يراد به سلب أموالهم ولا هتك أعراضهم.. وإنما المراد به الرجاء في هدايتهم، والأمل في انتهائهم عن الكفر وسوء الأخلاق.قال صاحب الكشاف: قوله لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ متعلق بقوله فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ.أى: ليكن غرضكم في مقاتلتهم- بعد ما وجد منهم ما وجد من العظائم- أن تكون المقاتلة سببا في انتهائهم عما هم عليه. وهذا من غاية كرمه وفضله وعوده على المسيء بالرحمة كلما عاد .وبعد أن بينت السورة الكريمة الأسباب الموجبة لقتال المشركين: شرعت في تحريض المؤمنين على مهاجمتهم ومقاتلتهم بأسلوب يثير الحمية في النفوس، ويحمل على الإقدام وعدم المبالاة بهم.. فقال تعالى:
Ala tuqatiloona qawman nakathoo aymanahum wahammoo biikhraji alrrasooli wahum badaookum awwala marratin atakhshawnahum faAllahu ahaqqu an takhshawhu in kuntum mumineena
قال الآلوسى: قوله تعالى أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً ... تحريض على القتال بأبلغ وجه، لأن الاستفهام فيه للإنكار، والاستفهام الإنكارى في معنى النفي، وقد دخل هنا على نفى، ونفى النفي إثبات. وحيث كان الترك منكرا أفاد بطريق برهاني أن إيجاده أمر مطلوب مرغوب فيه، فيفيد الحث والتحريض عليه. بأقوى الأدلة، وأسمى الأساليب .وقد ذكر- سبحانه- هنا ثلاثة أسباب كل واحد منها يحمل المؤمنين على قتال المشركين بغلظة وشجاعة.أما السبب الأول فهو قوله تعالى: نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ أى: نقضوا عهودهم وحنثوا في أيمانهم التي حلفوها لتأكيد هذه العهود.ومن مظاهر ذلك أن هؤلاء المشركين الذين تعاهدوا معكم في صلح الحديبية على ترك القتال عشر سنين. قد نقضوا عهودهم بمساعدة حلفائهم بنى بكر على قتال حلفائكم بنى خزاعة عند أول فرصة سنحت لهم.والسبب الثاني قوله. سبحانه. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ والهم: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه.أى: وهموا بإخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة التي ولد فيها وعاش بها زمنا طويلا..لكنهم لم يستطيعوا ذلك، بل خرج باختيار. وبإذن الله له في الهجرة.وقد فصل سبحانه. ما هموا به في قوله وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ .وإنما اقتصر، سبحانه، في الآية التي معنا على همهم بإخراجه. صلى الله عليه وسلم. من مكة، مع أن آية الأنفال قد بينت أنهم قد هموا بأحد أمور ثلاثة- لأن الإخراج هو الذي وقع أثره في الخارج بحسب الظاهر، أما القتل والحبس فلم يكن لهما أثر في الخارج.وقيل: إنه. سبحانه. قد اقتصر على الأدنى وهو الهم بالإخراج، ليعلم غيره بالطريق الأولى، إذ الإخراج أهون من القتل والحبس.وأما السبب الثالث فهو قوله. سبحانه. وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أى: وهم الذين كانوا بادئين بقتالكم في أول لقاء بينكم وبينهم وهو يوم بدر، كما كانوا بادئين بالعدوان عليكم في كل قتال بعد ذلك، كما حدث منهم في أحد والخندق وكما حدث منهم مع حلفائكم من بنى خزاعة.قال صاحب الكشاف: قوله: وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أى: وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءهم أولا بالكتاب المنير، وتحداهم به، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال. فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم، فما يمنعكم من أن تقابلوهم بمثله، وأن تصدموهم بالشر كما صدموكم؟ .فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد ذكرت ثلاثة أمور كل واحد منها كفيل بحمل المؤمنين على قتال المشركين.. فكيف وقد توفرت هذه الأمور الثلاثة في هؤلاء المشركين؟.ولم تكتف الآية الكريمة بهذا التهييج والتحريض للمؤمنين على القتال، بل أمرتهم بأن تكون خشيتهم من الله وحده، فقال سبحانه أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.أى: أتتركون- أيها المؤمنون- قتال هؤلاء المشركين الذين نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ خشية منهم..؟ لا، إن هذا لا يليق بكم، وإنما الذي يليق بكم- إن كنتم مؤمنين حقا- أن تكون خشيتكم من الله وحده.قال الإمام الرازي: وهذا الكلام يقوى داعية القتال من وجوه:الأول: أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوى هذه الداعية.الثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك؟ كان ذلك تحريكا لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفا من خصمه.الثالث: أن قوله: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ يفيد ذلك كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدا فالله أحق أن تخشاه، لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة..الرابع: أن قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ معناه: إن كنتم مؤمنين إيمانا حقا، وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ومعناه: أنكم إذا لم تقدموا لا تكونوا كذلك، فثبت أن هذا الكلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد .